يمكن لصديقتي حنين، إذا حدقت مليًا، أن تبصر الغول من نافذة غرفتها. حتى وإن أغلقت الشباك وأسدلت الستائر وصنعت شرائح توست مغطاة بزبدة الفول السوداني وشرائح الموز، ما زال بإمكان الرائحة أن تنفذ لتخبر عن مكانها ومكانه.
ورغم أنها تشغل الموسيقى باستمرار وتغني أحيانًا، إلا أنه من الصعب كتم أصوات قرض الجماجم وتوسلات المقاتلين الصغار.
تقرأ أحيانًا قصيدة وتتوقف بين كل بيت وآخر، لأن نشيج الجارة الخافت يقطع تسلسل الكلمات الحلوة كريح باردة لاذعة.
أختها أيضًا تقف على حافة أذنها لتخبرها بأمور معينة، ثم تتشبث بأنفها وتلوح بيدها اليمنى لتريها أشياء أخرى، وأوقاتًا تجدها ملتفة حول إصبعها الصغير دون كلام. كل ما أرادت أختها قوله: «إنها خائفة».
ربما على حنين أن تختبئ الآن بدلًا من كل ذلك أو أن تفر إلى الجبال البعيدة.
لكنها تقرر أن تراسلني في الرابعة صباحًا بتوقيت بلادنا الحزينة، لتحكي عن أمور عادية، تشبه أحاديث البنات العاديات، اللواتي يأتين من بلاد عادية. فأطمئن.
أطمئن لحديثها، لأني فتاة جبانة.
فرّت من الحرب وصَلَّتْ طويلًا لسماء بلا طائرات. وعاشت أيامها الأخيرة وهي تتلصص من خلف الهاتف، تراقب الغول أيضًا، من مسافة بعيدة.
وتبصره كيف يقترب من كل أحبائها يومًا بعد يوم، أولئك الذين يعيشون في بقع متفرقة من البلاد التي هجرتها. فتتضاءل شقتها الصغيرة لتغدو أنسب لعيش حشرة وحيدة، ويصبح التنفس ممارسة مضنية لجسدها الهائل.
في البدء ظننت أن المراقبة من بعيد آمنة، وأنه يستحيل أن تصلني الشظايا أو يطالني القصف. أنا تحت حماية البلد الأقوى في العالم!
لكن عندما استيقظت من نومي قبل يومين، وجدت قطعًا معدنية في صدري وعلى جانبي وفي أسفل كعبي.
اعتقدت أن الحلم لم ينته بعد. غير أني حين حاولت نزع إحداها، سال الدم وتفجر ألم هائل دفعة واحدة.
كنت على وشك الاتصال بالإسعاف. ويا لها من مصيبة إن فعلت.
سيكون عليّ أن أقدم لهم مذنبًا للتحقيق، وحين أصمت سيفترضون أنه عنف منزلي. وسيأخذون زوجي – آخر أحبائي الناجين – ويودعونه السجن.
سيقولون له: «هذا متوقع تمامًا من رجل عربي ويمني كمان يا حبيبي». وأنا سأقاد إلى جلسات إرشاد نفسي مطولة، مصحوبة بكومة من أدوية الاكتئاب والذهان وتسارع النبض.
وسأُجبر على التعافي.
وحين أعترف أخيرًا وأقول إن الحرب هي التي فعلت بي هذا، فإنهم سيضاعفون الجرعة.
لذا أربت على صدري بهدوء. أرتدي قميصًا واسعًا، وأضع أحمر خدود.
ثم أمسك هاتفي وأتحدث مع حنين أحاديث عادية، لبنتين عاديتين، من بلاد عادية.
دون أن تخبر إحدانا الأخرى عن القطع المعدنية في جسدها.