الثانية ظهرًا
٨٣٢ كلمة
١.

أستيقظ مفزوعًا في الخامسة فجرًا بعد شجار حاد لم أعتده مع أمي، لم يوقظني من نوم قلِق إلا علو صوت بكائي وصعوبة في التنفس، أجلس على حافة السرير متنهدًا، استغرق ثوانٍ قليلة لأدرك أن أمي قد ماتت قبل أكثر من عام.

لم أكن يومًا ضمن أولئك الذين استطاعوا وضع حدًا فاصلًا بين الأحلام والكوابيس، لا أعلم إن كنت غاضبًا من عقلي الباطن الذي تجرأ ليتشاجر مع أمي – معادل اللطف والطيبة في هذا العالم – أم أنني سعيدٌ أخيرًا بزياراتها الخاطفة تلك، حتى وإن تشاجرنا.

دائمًا ما كانت تأسرني قدرة ثقافتنا الشعبية على اختصار وصياغة الكثير من المشاعر المرتبكة في جملة قصيرة، بضع كلمات قادرة على قول ما لا تستطيع شرحه، في الأيام الأخيرة ودون وعي كامل أجدني أردد مثلًا اعتدت سماعه في قريتنا ”اللي من غير أم .. حاله يغم“

لم أفهم هذه الجملة يومًا كحقيقة، كانت دائمًا ما تبدو لي كمبالغة ريفية، نوعًا من الحنين الزائد أو التهويل المحبب الذي اعتدنا عليه في كلام الكبار، كنت أسمعها مبتسمًا دون اكتراث، كأنها لا تمت لي بصلة. أما الآن فأفهمها جيدًا، ليس لأن الحزن صار أكبر، بل لأن الكثير من التفاصيل على صغرها أصبحت بلا معنى.

ربما لم تخلق هذه الجملة لتفهم، لا تشرح نفسها، ولا تحاول إقناعك، فقط تكتفي بأن تسمعها في لحظة ما، تستقر في مكان ما بداخلك، وتظل حبيسة حتى تموت أمك، فتكون في طليعة مردديها.

كنت أظن أن الأمثال الشعبية تم اختراعها لتبسيط الحياة، لكنني أدركت أنها في الحقيقة تُخفي تعقيدها. كيف تختزل تلك التجربة الطويلة بتفاصيلها المتناقضة وتضعها في قالب من كام كلمة!،

ربما كمحاولة لإنقاذنا من عناء الشرح.

لم تفلح الكثير من القراءات وتحليلات فرويد وكارل يونج، وشهور متواصلة من زيارات الطبيب النفسي، والمصطلحات المجعلصة المتناثرة على السوشيال ميديا في تعريف هذه المشاعر المتضاربة التي تتبع الفقد بشكل واضح بقدر ما يفعل تعبير بسيط من كلمتين. تعبير غريب وغير محدد لكنه دقيق بشكل مرعب، لا يقول حزينًا أو مكسورًا أو وحيدًا، لكنه مفتوح دون تحديد يترك مساحة واسعة لكل هذه الأوصاف السهلة وربما أكثر.

يدفعني الفضول للبحث عن معنى ”الغم“ في المعجم ”بفتح الغين مصدر غم الستر جمع غموم، الحزن والكرب لأنه يغطي السرور والحلم“.

الآن أفهم أن الغم ليس شعورًا واحدًا بل غطاء يخفي كل ما تحته من ألم.

يغطي الأكل فيفقد لذته

يغطي الكلام فيفقد جدواه

ويغطي الأيام فتصبح حزينة ومكررة ومتشابهة أكثر مما يجب.

٢.

يقولون إن الراحلين يزوروننا في المنام، يمدون يدًا خفية من غيابهم نحو حاضرنا، كأنهم يتركون أثرًا يطمئننا أنهم لم يختفوا تمامًا.

في الأيام الأولى بعد وفاة أمي، انتظرت حضورها كل ليلة كأنني أترقب موعدًا مؤجلًا.

أغمض عيني وأستدعي ملامحها كما لو أنني أهيئ المسرح لظهورها. أستعيد ضحكتها، رائحتها، ابتسامتها، ونظرتها الحنونة.

لكن لا يأتيني شيء.

لا وجه، لا كلمة، لا لمسة.

فقط فراغ بارد يترك داخلي خوفًا أكبر، هل بدأت أنساها فعلًا أم هي التي نسيتني؟

أسأل طبيبي النفسي مُعاتبًا، لماذا لا تزورني ماما في الأحلام؟!

غيابها عن الحلم كان يؤلمني بقدر غيابها عن الواقع.

في النهار أستطيع البحث عنها في صورة قديمة، أو في موقف بيننا، أو حتى في طبخ أكلة علمتني إياها. أما في الليل فلا وسيلة، فقط صمت مظلم لا يترك لي سوى التساؤل، لماذا لا تعود ولو في طيف عابر؟

أحيانًا كنت أواسي نفسي بأن الموتى لا يملكون القدرة على زيارتنا، وأن كل الحكايات عن زيارات الأحلام مجرد أوهام اخترعناها كي لا نفقد الأمل. وأحيانًا أخرى أتمسك بفرضية معاكسة، ربما أنها لا تأتي لأنها تثق بقدرتي على التحمل، أو لأنها لا تريد أن أبقى أسيرًا لظلها.

ومع ذلك، كل ليلة قبل أن أنام، يظل داخلي أمل صغير، أمل طفل يصر أن أمه ستطل من وراء الباب في أي لحظة، أمل أن يطل وجهها في حلم، ولو مرة واحدة، ليؤكد لي أن الغياب ليس أبديًا كما يبدو.

٣.

أخشى النسيان أكثر مما أخشى الموت نفسه.

النسيان ليس خيانة متعمدة، بل عطب طبيعي في الذاكرة، يزحف ببطء حتى يلتهم كل ما كان يومًا حاضرًا. أحيانًا أستيقظ مذعورًا من فكرة أنني قد أنسى صوتها، أو تفاصيل ضحكتها، أو حتى ملامح وجهها.

الموت حاسم، قاطع، لكن النسيان غادر، يتسرب ببطء ودون إنذار.

هناك صور كثيرة لم أعد أستطيع استدعاءها بوضوح، لذلك أكتب عنها كما لو كنت أوثق ذاكرة مهددة بالانقراض.

أكتب لأقاوم هذا التآكل الصامت، ربما تكون الكتابة عزائي الوحيد، لكنها أيضًا دفاعي الأخير ضد النسيان. فلو فقدت الذاكرة، ما الذي سيبقى من وجودها؟ سيصبح الغياب مضاعفًا، موتا ثانيًا أكثر قسوة.

لكنني في الوقت نفسه أدرك مفارقة أنني كلما كتبت أكثر، كلما تسرب الشك إلى داخلي، هل ما أكتبه هو الحقيقة كما حدثت فعلًا، أم أنه مجرد خيال؟ هل أعيد تشكيلها بالكلمات لتناسب صورتي عنها، لا حقيقتها؟ أحيانًا أشعر أنني أكتب عن أم خيالية صنعها مزيج من الذكرى والحنين، ليس عن تلك التي عاشت هنا لسنوات.

وهنا ألتقط خوفي الأكبر، أن الكتابة التي أظنها تحفظها لي، قد تكون في الوقت نفسه أكثر ما يبعدني عنها.

ربما كنت أريد الاحتفاظ بها بالكلمات، فإذا بي أخلق ظلًا جديدًا لا يشبهها ثم أصدقه، لكن ما البديل؟ أن أستسلم للنسيان؟ أن أترك الصور تتبخر بلا أثر؟ أم أظل أكتب، فحتى لو كانت الكتابة تشويها، فهي أقل ألمًا من الفراغ.

النسيان لا يترك لنا سوى صمت بارد، والكتابة تمنحني وهمًا بالدفء، والوهم في بعض الأوقات أكثر نبلًا من الحقيقة.

شارك