⁠العاشرة مساءً
١٠٨٢ كلمة

تهران، إيران-

أحببت تهران، أكثر مما ينبغي لغريب راحل، لماذا لا تحبين تعريبها؟ لأن ”طهران“ تحدث فقط في نشرة الأخبار، والنشرات ليست إلا عرضًا على مدار الساعة لهمجية العالم.

أما تهران فهي كلمة فارسية حقيقية، تشبه معناها: ”الوادي الدافئ“، تذكرني باللغة العذبة، أشعاري المحببة، الأغاني القديمة، والاحتفاء بالأرض والتاريخ، هم مغرمون بمدنهم، وأبطالهم، وأنا مغرمة بالفلكلور الشعبي، والأغنيات.

التراث الذي أحببته قابلني بالخصومة، حط رأسه برأس عيلة، وتعمد أن يحدق في عينيّ ساخرًا: ”انتي مش من هنا“.

حفظت الأشعار، قرأت التاريخ، التهمت الجرائد والمجلات، وأتقنت اللغة كأهلها، لكن كيف أستخرج الانتماء من قلب الكتب؟

كيف أصنع الهوية، وأتشرب الثقافة، بدون معلم؟

كيف أتعلم: تعابير الحارات، النكات، وصفات الطعام، لغة الجسد، انتماءات ملاعب الكرة، إفيهات الأفلام، ما يناسب القرية، وما يحدث في المدينة فقط، خناقات السياسة، تعالي المدن على بعضها، علاقات الطبقات، وكل التفاصيل الأخرى التي يخفونها بشكل شرير من الكتب والمجلات، بينما هي حاضرة بكثافة في اليوميّ والعاديّ؟

أحببت تهران، هنا وطني وبيتي منذ تسع سنوات، أتحدث وإخوتي بالفارسية حصرًا؛ يمر أحدهم من تحت النافذة: ”ده بيت العرب، تعرف؟“، يهوي قلبي: ”انتي مش من هنا“.

صباح عاشوراء امتلأ شارعنا بالقدور العملاقة، سيُطهى الطعام نذرًا للحسين، ويوزع على الجيران، شكرهم والدي ورفض الطعام: ”نحن أهل سنة“، في اليوم التالي كانت فضلات الطعام مسكوبة على باب منزلنا وأمامه، جيراني بالغوا اللطف، من فعل هذا؟

ألعب مع صديقاتي في المدرسة، تقول إحداهن ”نحن“ سنهزم الفريق الآخر، أشعر بوخزة في قلبي، ما أبعدني عن هذه الـ ”نحن“، وما أشد توقي إلى ”نحن“ حقيقية، لا تثير وخزًا، ولا تشعرني بالغرابة.

كيف تتحول مجموعة من الناس إلى ”مجتمع“؟

تبدو الوصفة كالتالي: نمسك الناس، ونضعهم في خلاط عملاق، نخفق بهدوء على مدار أجيال، نختار مكونات عشوائية، تحديات ومخاوف، ظروف بيئية، ثروات طبيعية، أعداء وحروب، إخفاقات وانتصارات، ونترك التجربة تنضج وتتراكم في الخلاط بهدوء.

ينتج كل خلاط هلامًا مختلفًا في اللون والقوام، يدفع الإنسان عمرًا من الخفق مع مكونات تسقط فوق رأسه، فتكون المكافأة بصمة الخلاط، واعترافه، ألف مبروك أنت الآن ”من هنا“: ابن الهلام بحق، يرفع الإنسان رأسه بفخر: ”أجمل خلاط، وأعظم هلام في العالم“.

يلاحقني مراهق إيراني بعد المدرسة: ”ما أجمل عينيك“، لا يعجبني الفتى، أتجاهله بتعالٍ مراهق، يستمر الفتى لفترة، أشعر بغضب وانزعاج، وأتمنى أن يتوقف، أخيرًا يمل الفتى مني:

”انتي فاكرة نفسك أجنبية ولا إيه؟“

”أنا أجنبية بالفعل“

ينفجر ضاحكًا: ”أنا كمان أجنبي، أجنبي من أصفهان، انتي أجنبية منين من خراسان؟“، ينادي صديقه على الجانب الآخر من الشارع: ”بتقولك أجنبية“، يرقص قلبي فرحًا: ”أنا من هنا“، وأمضي بقية يومي مبتسمة.

يتحول انزعاجي من رؤية الفتى إلى بهجة، لأسابيع بعدها، يراني الفتى وأصدقاؤه ويسخرون مني، أحصل على تسليتي الصغيرة، ويتسلى قلبي باعتراف صغير من ”الهلام“.

المنيا، مصر-

يخبرنا أستاذ العربية أن الحديث النبوي يقول: تُستأذن البكر، وتؤمر الثيب، أسأله:

أستاذ تقصد تستأمر صح؟ بمعنى يُطلب أمرها ومشورتها ..

لا طبعًا، أقصد تؤمر، يأمرها وليها فتطيع، لأنها خلاص جربت الزواج بإذنها مرة عندما كانت بكرًا، ولم يعد الأمر بالنسبة لها بنفس الأهمية، وهذا برده متفق مع عاداتنا نحن في الصعيد ..

شعرت بصدمة بالغة: ”نحن“؟؟

هذه مدينتي، أرض أجدادي، الهلام الذي ”أنتمي“ إليه؟؟

على متن الطائرة إلى مصر، كنت أودع بحزن بالغ تهران الجميلة، ودفئها، وطيبة أهلها، لكنني واسيت نفسي، في المقابل: سأحصل على ”نحن“حقيقية.

عادات ”نا“؟ لماذا أدخل مع هذا الإنسان تحت ”نحن“ واحدة؟ و”نا“ واحدة؟

في حصة أخرى، كان موضوع التعبير: ”أرى الله في كل مكان“، كنت مغرمة بالطواويس، كان عقلي المراهق يتساءل ما هي الحاجة التطورية لكل هذا الجمال؟ كيف ينجو الطاووس بهذا الريش الباهر في البراري؟

يشبه الأمر أن تشتري فستانًا فاخرًا من فيرساتشي، ثم تركب ميكروباص رمسيس بفستان فيرساتشي، وتدخل عركة شوارع بفستان فيرساتشي، استدركت في موضوعي: أنظر إلى الطاووس، وأرى الله، أذكر جملتي الأولى: ”بسم الله رب الجمال“.

أوقفني الأستاذ عند الجملة الأولى: ”نحن“ المسلمون، نقول ”بسم الله الرحمن الرحيم“، وكل تسمية أخرى حتى لو كانت صيغة أدبية فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وجدت نفسي تحت ”نحن“ جديدة، مثل سابقاتها، تثير الوخز، والشجن، والغرابة.

تكونت عندي حساسية من هذه الكلمة، أنا لا أريد أي ”نحن“ عملاقة: ”الصعايدة“، ”العرب“، ”المصريون“، المظلات العملاقة ليست لي، تحت هذه المظلات يضعون أشياء محرجة، أنا سأستثمر في الصداقة، سأحرص على أن تكون أي ”نحن“ أستعملها هي أصغر نحن ممكنة: ”أنا واتنين صحابي“.

صديقتي القاهرية تخبرني: ”انتم“ طلع عندكم معجون وفرش أسنان، لما جه تنسيقي المنيا كنت خايفة جدًا ما ألاقيش أدوات نضافة هنا، شعرت بالإهانة، فورًا خالفت مبدئي وقفزت تحت نحن عملاقة: ليه عشان ”احنا“ صعايدة؟

لكل إنسان انتماءات عديدة، لغة، عرق، جنس، دين، إلخ، يعتبر أمين معلوف أن الانتماء المهدد يسود، ويصبح ”هوية“ المرء الذي يعرف نفسه بها.

لنتخيل رجلًا من سراييفو، عام ١٩٨٠ سيعلن بفخر أنه يوغسلافي، وبالمصادفة ينحدر من عائلة مسلمة، عام ٩٢ سيعلن بقوة ”أنا مسلم“، وربما سيترك لحيته تنمو، اليوم سيعلن نفسه ”بوسنيًا“، ويؤكد أنه أوروبي أيضًا، ويتمنى أن تنضم بلاده إلى الاتحاد الأوروبي.

أيندهوفن، هولندا:

صباح العيد أفتح باب منزلي، كومة من فضلات كلب ما أمام بابي، لا فضلات أمام أي باب آخر، مثل كل مرة. أعرف لغة الفضلات، هذه لغة عالمية، تعني: ”انت مش من هنا“.

جيراني بالغو اللطف، من فعل هذا؟ أسمع صوت أقدام طفلي، سيستجوبني الآن، أحتاج مهربًا وفورًا، أجد المهرب، مثل كل مرة: حكاية.

أمام منزلي نبتة مختلفة، هذه حكايتي، يحب الكلب رائحة هذه النبتة بشدة، يطيل الوقوف أمامها، فتحدث أمور أخرى أحيانًا.

تنصح التربية الإيجابية بالحقيقة، لكنني لا أريد لطفلي أن يعرف باكرًا أنه ”مش من هنا“، أتناسى أنه يعرف بالفعل: ”ماما ليه احنا لوننا ضلمة؟“

يطور طفلي هوسًا بالأماكن، والبلاد، والآثار، يقرأ عن الأهرام، ويخبرني فخورًا أنه سعيد أن ”احنا“ عندنا الأهرام، ها هو يكتشف احتياجه لـ ”نحن“ حقيقية، ويدخل طواعية تحت ”نحن“ عملاقة لا يعرف عنها شيئًا.

في هولندا، تمامًا مثل طفلي، أدخل بشكل متكرر تحت مظلة عملاقة مصدرها ضمير آخر: ”أنتم“ العرب، وأكتشف بنفسي ما يعنيه أمين معلوف، بلا اختيار واعٍ مني، أجدني أحمل مظلة ”نحن“ العرب في كل مرة.

”كل مكان“:

عاد زميل لنا من إسبانيا، عمله أن يسافر حول العالم ليقدم حلولًا للعملاء، منذ ٢٥ عامًا يقضي معظم أيامه في بلاد أخرى، يقول الزملاء: “Welcome home”.

”هوم؟ أنا لا أعيش هنا تقريبًا، أنا من “كل مكان”، حتى أني في المطار شعرت أن أذني تعاني من قسوة الهولندية، ما أجمل الإسبانية، لماذا لم نخترع لغة أكثر جمالًا؟“

يفاجئني إدراكه لغلظة لغته، كل من لم يغادروا هولندا لا يعرفون ذلك: ”إنما العالم مرآة تريك نفسك“ – جلال الدين الرومي.

”رؤية العالم“ خلقت مشتركًا كبيرًا بين غريبين، هو يسائل حتى لغته، وأنا يمتلئ عقلي بالأسئلة مثله، وأختبر الحياة كغربة طويلة مثله.

يهبط كل منا لحياته بصفقة لا يمكن رفضها ولا تعديلها، هذه صفقتي، غربتي الطويلة، حيرتي، فشلي الدائم في الانتماء، وانتمائي الدائم للشك، والأسئلة.

شارك هذا الـمقال