⁠العاشرة مساءً
١٠٠٧ كلمة

قالت لي صديقة: ”بس هو حَبِّك يا إسراء لآخر حياته“، ردًا على نحيبي وقولي إنني كنت أتمنى أن أبقى مع محمد لآخر حياتي. سأظل ممتنة لهذا الرد إلى الأبد…

كانت أول فترة بعد الفقد عبارة عن ألم متواصل لا أستطيع أن أصفه، وأظن أن الألم يختلف من شخص لآخر ومن فقد لآخر أيضًا. أذكر تلك المكالمة معها وأنا أبكي وأدبدب على الأرض زي الأطفال وأقول إننا اتفقنا أن نعيش معًا لآخر حياتنا.

نزل ردها على قلبي كأنه مزيل سحري للألم… لأول مرة أشعر بهدوء بعد ستة أشهر من العذاب. وجدت في قولها زاوية أخرى بها بعض المنطق بعيدًا عن الكليشيهات التي تقال ولا تضيف أي معنى.

تبكي صديقتي على صديقها وهي تقول:

”بصي إحنا هنعتبر إنه سافر ومش هنتكلم عن محمد خالص“.

أرفض هذا الاقتراح القاسي من وجهة نظري وأقول:

”أريد أن أتحدث عنه… أريد أن أبكي… أريد أن أصرخ… وأريد منكم أن تسمعوني… أنا في كارثة“.

سيبدأ بحثي عمّن يسمعني بلا كلل بعد موت محمد مباشرة، إذ صُدمت بأنه لا يوجد أحد قريب مني لتلك الدرجة غير محمد. اكتشفت متأخرة للغاية، في أشد أوقاتي احتياجًا للأصدقاء، خطئي في عدم بناء علاقات قوية.

مررت بلحظات من الجنون، أبحث في هاتفي عن شخص يمكنني التحدث إليه والبكاء أمامه… لا أحد.

لاحقًا تكونت لديّ شبكة أمان من الأصدقاء، أحمد الله عليها.

قال لي يحيى: ”شكرًا يا ماما إنك بتخليني أعمل خبرات كتيرة في الحياة“. قال تلك الجملة وهو يحضنني… كنت في أمسّ الحاجة في هذا اليوم إلى أن أشعر بالاكتفاء وبأنني أم جيدة.

كان يومًا مرهقًا من البحث واختيار المدارس الجيدة للمرحلة الدراسية القادمة ليحيى. كان هناك اتفاق بيني وبين محمد على أنني سأتولى مسؤولية يحيى حتى سن المراهقة، على أن يتسلم محمد الراية بعد ذلك.

انهارت تلك الخطة مع كل خطط المستقبل، وأصبحت تائهة غير واثقة من اختياراتي لابني. أحببت تخيل أن حضن يحيى هو رسالة من محمد بأنني على الطريق الصحيح.

”إنتي عملتي كل اللي عليكي يا إسراء متلوميش نفسك“، قالتها صديقتي بعد أن أبلغتها هاتفيًا بموت محمد. ظلت الكلمة ترن في أذني أيامًا وشهورًا طويلة…

لم أشعر بالذنب لحظةً طوال فترة مرض محمد أو عند موته… استغرقت في التفكير في تلك الجملة ليالي طويلة… لماذا من الممكن أن يشعر أحد بالذنب في تلك اللحظة؟

ولماذا لم أشعر أنا بالذنب؟ أنا التي أشعر بالذنب في كل وقت ولأي سبب، أشعر بالذنب لمجرد وجودي في تلك الحياة. على مدار محطات حياتي أجد أن علاقتي بمحمد هي العلاقة الوحيدة السوية المتزنة.

كنا نسكن بحي بريطاني جميل في شقة صغيرة نسميها أنا ومحمد ”الصندوق“، كانت تشبه المربع حيث لا توجد ممرات أو ”طرقة“. ثلاث سنوات في هذا الصندوق كانت من أجمل ذكرياتنا معًا، محمد ويحيى وأنا.

في إحدى ليالي شتاء لندن القاتم، قبل سنين كثيرة من موت أمي وموت محمد، كنت أعاني فقداني لوالدي وهو على قيد الحياة؛ حيث تفصلنا آلاف الكيلومترات والكثير من حواجز الأمن. وكانت تنتابني نوبات من الحزن والغضب (لاحقًا سأعرف أن تلك النوبات لا شيء مقارنة بما سأمر به بعد فقدان أحبائي).

استضفنا بعض الأصدقاء المقربين لنقضي السهرة معًا نتسامر ونضحك، وكانت بينهم بنت جميلة كنت أسمع عنها من الأصدقاء المشتركين، التقيت بها ربما مرة أو اثنتين قبل تلك الليلة، لكن في هذا اليوم قالت جملة حزينة وذكية للغاية.

كنا نتحدث عن علاقات الأبناء بالوالدين ومدى تعقيدها، علاقة مليئة بالحب والغضب والخوف في آن واحد. كانت تعاني من فقدان أبيها أيضًا.

”عايزين ندرب عيالنا من صغرهم على إنهم يقدروا يعيشوا من بعدنا لو مُتنا“.

على مر كل السنين التالية ظلت تلك الجملة تقفز إلى ذهني. أدركت أن علينا، محمد وأنا، التحضير لهذا اليوم.

لم أكن أعلم ما يجب عليّ فعله لتحضير يحيى له، الأكيد أني كنت وما زلت صريحة للغاية مع يحيى في كل أسئلته…

”ماما هعيش مع مين لو إنتي موتي؟“ سأعيد عليه مرارًا وتكرارًا أني تركت وصية مبدئية، وأن له حرية القرار فيما بعد… ”طب هعيش فين؟“ فأسأله أي مكان يفضل…

أحاول دائمًا التفكير في كل الاحتمالات وإيجاد خطط خروج لها… أدرك أني أحاول تعويض يحيى عن صدمة مرض والده وموته السريع… كم كنت أتمنى أن يتاح لي التفكير في هذا السيناريو قبل حدوثه.

ظننت أنني ومحمد خضنا كل النقاشات عن كل احتمالات المستقبل الممكنة، لكننا لم نفكر أبدًا في هذا السيناريو القاسي…

أتذكر في أول ليلة بعد مراسم الدفن والعزاء، عند ذهابي للنوم، وجدتني أقول لنفسي: ماذا الآن؟ لقد نفذت كل الخطوات التي اتفقنا عليها قبل موته…

أريد أن أنام لكن قلبي مخلوع من مكانه… محمد هو الشخص الذي سيعيده إلى مكانه… أمسك الهاتف كي أكلمه… أتذكر أن هذا أصبح غير متاح.

تقول لي طبيبتي النفسية: ”ما مررت به لم يكن هينًا ولن ينتهي“. أسمعها وأنا أشعر بالغضب الشديد، ففي كل مرة أشعر فيها أني عدت إلى النقطة صفر من الحزن والفقد والألم، أقول لها:

”أنا زهقت من التكرار طب أجدد في مشاعري حتى من باب التغيير“.

أصبحت خبيرة في مراحل الحزن…

أشعر بها قادمة من بعيد. بعد كل لحظة سعادة تأتي الغصة مباشرة، بعد كل يوم يبدو مثاليًا للغاية أقول: ”اللهم اجعله خير“، لا لأني أعلم ما الخبر السيئ القادم، بل لأني أدرك جيدًا ما سأمر به وأنا ذاهبة للنوم أو عند صحوي وأنا أقاوم ترك السرير.

لكن بسبب خبراتي المتعددة في أنواع الفقد أصبحت لديّ خطط استباقية للحفاظ على نفسي من الوقوع في الحفرة، أنجح أحيانًا وأفشل أحيانًا وهكذا دواليك.

قال لي أحدهم: ”جايز حبيتيني أكتر من اللازم“، ردًا على سؤالي: ”هل ارتكبت أي خطأ؟“

أفكر كثيرًا في تلك الجملة: هل ارتكبت خطأً حقًا؟ هل أحب الناس أكثر من اللازم؟ ما هو الحد المناسب للحب؟ أتعرف على نفسي وعلى علاقتي بالحب من بعد محمد.

توصلت إلى إجابة بعد عدة أشهر… ربما كان خطئي هو الثقة المفرطة، لا أعلم، بينما حبي دائمًا سيظل ”أكثر من اللازم“، وربما يومًا ما سأعثر على قلب يتسع لهذا الحد.

قالت لي صديقتي: ”هو حقه ميكملش في علاقة مش عايزها وجايز يكون محبكيش كفاية“. وقتها شعرت بالإهانة الشديدة لكن لم أظهر لها ذلك.

الآن، بعد مرور الوقت، أشعر بالامتنان الشديد لها على صراحتها؛ هي من نبهتني إلى أن أضع نفسي مكان الشخص الآخر وأن أحاول تفهُّم مشاعره.

كل علاقة بها طرفان، ومن حقهما الشعور بما يمران به. لن ينفي هذا ألمي وحقي في الغضب.

الفقد مثل الحب قاسٍ لكن به جمال خفي، يعلمني أن أتأقلم… أن أجد المعنى في تلك الكلمات البسيطة، وأن أستمتع بآخر رشفة من عبثية الحياة.

شارك