تنظر إلى أسفل وتُشابك يداها بتوتر وتقول: ”ما أنا قررت أحط حدود وده حقي، انا مش مضطرة أتعامل مع عيوبك طالما بتأذيني“صُعقت ثم غرقت في أفكاري بعدها.
لما كل واحد محتاج يحمي حدوده، ومش مضطر يتعامل مع عيوب الآخر، أمال بنبقى في حياة بعض ليه؟ ألسنا جميعًا مُؤذين بشكل أو بآخر وعن غير عمد منا؟ فقد ورثنا كثيرًا من الصفات البغيضة ونحاول التخلص منها بجدوى ودون جدوى في كثير من الأحيان، أو على الأقل أنا أحاول. لا أستحق أن تضع الحدود لي. لا أستحق أن تلفظني.
إنها أزمتي الأزلية، أنظر إلى العالم وأنتظر أن ينظر إليَّ بنفس الصورة ويعاملني كما أعامله تمامًا. أتوقع أن الناس يريدون حقًا أن يبقوا في حيوات بعض ”للأبد“ و”حتى تحترق النجوم“، ولكن كلما تتغير درجات قُرب صداقة ما أو بُعدها، أُصعق تمامًا كأنها أول مرة. فما بالي أركض وراء نساء لا يعنين لأمري بينما يركض بنات جيلي وراء رجال؟ على الأقل الجري ورا راجل له معنى يا جماعة!
أحاول أن أفهم لمَ تعنيني خسارة هذه الصداقة بهذه الدرجة القاسية.
أُعيد القصة على مسامع الجميع ليخبروني أني على حق، وأن هذه الصداقة لا معنى لها إن كانت صديقتي بهذا القدر من الإيذاء لمشاعري وعدم التقبل لعيوبي —يُصرّون أنها عيوب شخصية ”عادية“— مش مستاهلة يعني تحطلك حدود وتخرجك برا حياتها زي ما بتقول. لا تبلّ ريقي هذه التفسيرات، ثمة ما هو أعمق وأكثر تهديدًا بداخلي.
التهديد بأني ”غير مقبولة“، ذلك الشعور الذي فتحت أعيني عليه في المدرسة، البنت الشاطرة اللي بتطلع الأولى على المدرسة بس بتعيط عشان ماعندهاش صحاب. أعود إلى ذلك الشعور المرير لأفهمه، لماذا كنت أبكي عدم وجود الأصدقاء. سأتلو عليكم رحلتي الذاتية إذًا ولربما تتعاطفون مع تلك الطفلة التائهة.
كان لديَّ الكثير من الأصدقاء قبل سفري إلى السعودية مع أبي وأمي وإخوتي، كنا نقضي الصيف هناك ونعود إلى مصر مع بدء المدارس كحال كل أسرة ربّها مغترب. ولظروف لا أتذكرها، تعذّرت عودتنا في شتاء إحدى السنوات، فعدت بعد بدء السنة الدراسية بعدة أشهر لأجد صديقتي المفضلة تجلس بجانبها صديقة مفضلة أخرى، تشاركها النكات و”الديسك“ الخاص بنا.
أتذكره الآن، شعور أنني سهلة الاستبدال. بكيت تلك الليلة لأمي بكاءً مرًّا على فقد هذه الصديقة، ولا أتذكر كلمات أمي الحكيمة دائمًا، لكنني أتذكر أني ذهبت للمدرسة صباح اليوم التالي وكلّي عزيمة على أن تعود صديقتي المفضلة صديقتي أنا فقط.
”أضايق“ الأخرى الجديدة و”أشخبط“ على كراستها وهي تنظر بعيدًا، وللمفاجأة أكتسب صديقة مقربة أخرى، نتبادل الأحاديث النبوية كون والدها شيخٌ بالأزهر وأنا عدت تَوًّا من السعودية حيث كنت أحضر الدروس الدينية.
لم يبقَ من هذه القصة في ذاكرتي إلا تلك اللحظة المريرة وأنا أدخل الفصل بعد عودتي من السعودية لأجد مكاني في الديسك متاخد من واحدة تانية، لم أكترث لمغزى باقي القصة وإن كانت نهايتها سعيدة، بل بقي شعور عدم الانتماء والتخلي شريكيَّ.
ستتكرر تلك القصة مع صداقاتي كثيرًا؛ فتارة أطلب من صديقتي المفضلة في الإعدادية أن تختار بيني وبين ”البويفريند“ لأنه ”حرام“ فتختاره، وتارة تتركني صديقة عمري —نعم، التي شاركت غيري ”الديسك“— لأني تفوقت عليها في شهادة الإعدادية وطلعت الأولى على المنطقة التعليمية.
أبكي لأيام وأيام ولا أقوى على مواجهة هذا الشعور. إنه شعور اللفظ من جديد، الاستبدال، التخلي وعدم التقبل.
سأنتمي لشيء إذًا لا لشخص، هذا ما هرعت لأفعل؛ انغمست تمامًا في العمل الاجتماعي ثم العمل السياسي، سأنتمي للصحفيين والواردين على نقابة المحامين للتسامر عن سياسات مبارك البغيضة وحبسه للمعارضة، ولكني لا أنتمي.
أنا الصغيرة في السابعة عشرة من عمري أُجالس رجالًا في الخمسينيات يشربون الشاي والبيرة وأنا أحتسي النسكافيه ببطء شديد ولا أستطيع مجاراة أحاديثهم.
سأجالس من هم أقرب لسني إذًا، أدور وأدور؛ فتارة تجدني أحضر اجتماعات الاشتراكيين الثوريين وتارة أخرى تجدني أجلس في مقر حزب الدستور، وما زلت لا أنتمي، لا أجد من يستقبلني بحماس أو يرغب في الاستماع لآرائي.
كان الجلوس مع كبار السن أفضل، على الأقل يملكون الإجابات حين أسأل عن تصوراتهم لحكم مصر إذا كان اشتراكيًا ماركسيًا، ولا يضحكون وينظرون إلى بعضهم البعض ويقولون إنهم يتصورونها ”حمرا وبأستك“ كما سخر مني أحد أعضاء الاشتراكيين.
سأبحث عن انتماء آخر إذًا؛ فقد دخلت كلية الطب ويمكنني الانضمام إلى الأنشطة الطلابية.
أذهب للتقديم على أسرة مولعة بالتبادل الطلابي فيُرفض طلبي لأني لا آخذ الأمر بجدية كافية، فأتقدم لأخرى تقبلني، ولكن تبدأ رسائل الفيسبوك من زملائي (بأكاونتات فيك) في انتقادي لأني مختلفة للغاية؛ محجبة ومدافعة عن حقوق النساء، أتحدث عن التحرش بالطلاب في الجامعات وتخاذل الأمن بل والزملاء، أتحدث عن حقوق المثليين في مدينة صغيرة بمصر. تم تكفيري وإهانتي، يبدو أن شعور اللفظ يطاردني.
أدركت أن مدينتي الصغيرة تكرهني فبادلتها هذا الكره العميق، سأذهب إلى القاهرة إذًا، سأجد هناك ضالتي. أنبهر بأضواء القاهرة وأتمنى لو أستطيع حضور الحضرة وليالي الأوبرا والسهر بالحسين، ولكن تصدمني حقيقة: أنا وحيدة، وحيدة تمامًا.
شعور اللفظ المتكرر قد بثّ الرعب في قلبي ولا أقوى على مواجهته مرة أخرى.
تزوجت، ويالها من تجربة مريرة. الزواج تجربة انتماء شديدة التعقيد، وقد انتميت لرجل يحبني للغاية ويكرهني للغاية أيضًا. أتذكر انتقاده لي بسبب انزعاجي من الأصوات (كصوت المضغ وصوت تنقيط المياه المتكرر وغيرها)، وانتقاده لي لأني كثيرة الكلام في المحاضرات والمنتديات، وانتقاده لي لأني شديدة الاكتئاب.
ويبدو أنه تمنّى لو يأخد الحلو فقط ويترك الوحش خارج بيت الزوجية، فتعمّق لديَّ شعور اللفظ.
زاد الانكماش، أصبحت كثيرة الهدوء، قليلة الكلام، أخاف كثيرًا من علوّ صوت ضحكتي حتى لا يزعج الآخرين، وأُفضّل المنزل على الخروج. انتهى الأمر بالطلاق.
تركت مصر وبداخلي حلم التقبل في بلاد أخرى، تركت طليقي وعائلتي ومدينتي الصغيرة لأطارد شبح التقبل. ولكن ها أنا ذا يتكرر المشهد تلفظني أخرى يبدو أن التقبل هو شبحي الذي سأطارده طيلة العمر. فقط عندما أتقبل ذاتي، تنتهي هذه المطاردة.