⁠العاشرة مساءً
١٠٦٦ كلمة

في سنة من السنين، وددت لو أتعلم العزف. أرسلت رسالة لصديقي أحمد ماهر: تعرف مكان بيعلم عزف (الكمان) في المنصورة؟

لا أعلم لِمَ اخترت الكمان بالتحديد، كان للأمر علاقة بالكاريزما أو التحرر.
أريد أن أرى نفسي مثل نيكولو باجانيني والكمان على كتفه وهو مستغرقٌ في نشوة العزف كأنه ارتقى درجة بين البشر والملائكة.
أريد أن أمسك بهذا الإحساس، أن أغمض عيني وأسمو ويسمع الجميع عزفي. وأجابني ماهر:

– مكان كذا قريب من كلية علوم.

فتحت الفيسبوك وبحثت عن المكان. وصلت إلى صفحة تحمل الاسم نفسه وموقعهم بالمنصورة.
أرسلت لهم رسالة: ”مواعيد الدروس؟“

انتظرت دقيقتين دون جواب. عدت مجددًا إلى شريط البحث، كتبت (عزف كمان)، ظهر لي في أول الخيارات فيديو لزميلٍ قديم كنت قد عرفته في السنة الأولى من الكلية.
ضغطت على الفيديو، كان الكمان بيمناه، والقوس بيسراه، وقبل العزف أخذ يتكلم عن أشياء كثيرة لا أتذكرها، ذكرني كلامه بآخر مرة تمشينا فيها سويًا، من كلية الطب بالزقازيق وحتى موقف المنصورة.

لا أعلم لِمَ تحتفظ ذاكرتي بهذه التمشية رغم أني لم ألتقِ بهذا الزميل في حياتي كلها أكثر من ١٠ مرات منها هذه المرة.
كُنا في ٢٠١٤م، وأنا مراهقٌ يسمع صدى المظاهرات من بعيد فينظر من شبابيك الدور الخامس بمبنى الكلية الرئيسي.

طلبة يهتفون، وشركة أمن تمسك بالعِصِيّ، بوابة كلية صيدلة تُغلق، وبوابة المستشفى الجامعي كذلك، لا تبقى سوى بوابة كلية علوم لتصبح ساحة كلية الطب مغلقة تمامًا ولا منفذ سوى الاختباء في المباني.

صوت الهتاف مع صوت سارينة وصوت عِصِيٍّ تهوي فتمتزج الكسور مع الحجارة مع نوافير الدم.
كل ذلك يبدو من الدور الخامس كمشهدٍ مسرحي. حتى أبواب المبنى الرئيسي -حين نزلنا بعد السكشن- كانت مغلقة.

في ذلك اليوم تمشينا بعدما فُتحت البوابات الثلاث، قابلنا زميلٌ آخر بلدياتنا. وخرجنا من بوابة حي الجامعة، سألنا (موظف أمن) عن هويتنا وبعض التفاصيل.
كانت وجوهنا وديعة كطلاب السنة الأولى، فتركنا بعد ثوانٍ قليلة.

ومشينا في شارع المكتبات، كانت المكتبات كلها مغلقة، ومسحة من صفار الخريف خيّمت فوق كل شيء.
بحثنا عن مواصلات، لا ميكروباصات لـ(ديرب) في الانتظار. لم يتبقَّ أمامنا سوى حلٍ واحد: المشي من الكلية حتى موقف المنصورة.

من بين فلل الجامعة مشينا، كان الطريق خاليًا إلا من مكتبة منزوية كانت تصور الورقة بـ٥ قروش، ومقهى صغير وعدة طلبة أمام سنتر دروس.
وتكلمنا في أمور كثيرة كلها عن القضايا الكبرى والمجتمع وهذا الكلام المجعلص الذي يملأ الفم.

كنت أقلهم كلامًا، إذ انبهرت باستشهاداتهم من الكتب والمقالات والشخصيات العامة، وعندما وصلنا قُرب حي (القومية) احترنا أنمشي في شارع الغشام الجديد أم نمشي من بين زخانيق العمارات القديمة، وخفنا أن يسقط علينا ونش أو شحنة زلط في الغشام، فاتجهنا بين شوارع القومية، ومررنا على السينما..

كان أفيش (الجزيرة ٢) يملأ الواجهة، وعدنا للكلام المجعلص حين رأينا الأفيش، واستشهد الزميل الثاني بشيء من كتاب (سيكولوجية الجماهير)، قال وقد بدا بنظارته كالأستاذ صلاح السعدني في فيلم (فوزية البرجوازية):

”عندما ينضم الفرد لجماعة، تختفي شخصيته الواعية وتذوب مهاراته الفردية، ليحل محلها (عقل جمعي) موحد يشعر ويفكر بطريقة مختلفة تمامًا“.

هل كان يقصد المخرج شريف عرفة؟ والله لا أعرف، لكن كلامه أعجبني، إذ كنت في هذا الزمان البعيد وحيدًا بشكلٍ ما، أريد أن أنتمي لشيءٍ أكبر مني.

لم يكن لي (صوت قانوني) أثناء انتخابات ٢٠١٢م إذ لم أبلغ الـ١٨ بعد، ذهبت للجان الانتخابية بمدرستي الابتدائية الواقعة جوار قسم الشرطة على ترعة (الشعالة)، وجلست قرب كراسي الناس المثقفين الملتفين في نقاشات ساخنة، قال أحدهم:

”في مداخلتي مع البرنامج الفلاني قلت على الهوا لا بد من التغيير الشامل“.

وقال آخر:

”أهل مكة أدرى بشعابها يا اخونا“.

فأعجبني الكلام ووددت لو أشارك فيه ولم يكن لي صوت، ثم لم يكن لي بالاستفتاء صوت، ولا الانتخابات الختامية لتلك الفترة.

ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أيام، ولم تأتِ الفرصة ليخرج صوتي مجددًا، لذا أعجبني الزميل الأول حين قال أيضًا:

”الجماهير (كائن بسيط) يتأثر بالصور والأوهام أكثر من الحقائق، ويقبل الأفكار أو يرفضها دفعة واحدة دون مناقشة، مما يجعلها فريسة سهلة للقادة“.

بعد هذا النقاش المجعلص، وصلنا إلى موقف المنصورة. لا أعرف أين اختفوا. تخبرني ذاكرتي أنني قد ركبت الميكروباص وحيدًا، هل اختلفنا؟
لا أذكر أنني تكلمت، كنت أسمعهم فقط. هل ذهبوا إلى مشوار وتركوني؟

كل ما أتذكره أننا صرنا أصدقاءَ على الفيسبوك بعد هذا اليوم، وأذكر أيضًا صورة نشرتها بعد هذا اليوم بشهرين على الفيسبوك للزميل الثاني وتحتها هاشتاج #فلان_فين، وطالت أيام اختفائه، ونقلت أنا إلى طب المنصورة ولم يظهر بعد، ومرت الأيام، ثم بعد ثلاث سنين ظهر لي فيديو الزميل الأول يعزف الكمان.

كان يعزف أغنية ألف ليلة وليلة. يده اليمنى تحرك القوس ببدائية، يبدو نشاز الأوتار واضحًا كمن اشترى ربابة بربع جنيه من أمام جنينة الحيوانات.
لكن مع الوقت أخذت يده تثبت، وصار اللحن أوضح وإن لم يخلُ من نشاز.

كان وجهه فرحانَ، وحين انتهى من العزف لاحظت رأسه الأصلع، هل كان أصلعَ حين تمشينا في القومية؟

ضغطت على أيقونة ملفه الشخصي، ثم ضغطت على الصور، أخذت أقلب في صوره القديمة.

صادفت صورة زميلنا الثاني وتحتها #الحرية_لفلان، تجاوزتها، وصلت إلى صورته في أول سنين الكلية، لقد ذهب شعره مع الجماهير وهو الآن يتعلم عزف الكمان.
أنا أيضًا أريد أن أعزف، لكن رسالة مفاجئة انبثقت على الشاشة.

– الكورس من ١٤ سيشنز، تكلفتهم ٣٨٠٠ جنيه، المدربة هتكون العازفة (ن ج) المشاركة في أوركسترا افتتاح قناة السويس الجديدة، والأولوية لأسبقية الحجز.

بالطبع لم يكن معي ٣٨٠٠ جنيه، كان سعر الآيباد ميني ٢ الذي تمنيته أقل من ٣٨٠٠ جنيه وقد جمعت ٢٥٠٠ بالكاد على مدار سنتين.
لحظتها صرفت النظر عن تعلم الكمان والآلات الأخرى، وفكرت أن أبحث عن الزميل الثاني، أين انتهى به الحال؟!

كنت أعرف اسمه الثنائي، كتبته في شريط البحث بالعربية، خصصت البحث بالأصدقاء، لم أجد بالأصدقاء أي اسمٍ مشابه. كتبته بالإنجليزية ولم أصل لشيءٍ أيضًا.
مللت من البحث ففتحت (ساوندكلاود) وشغلت أغنية (ألف ليلة وليلة).

عدت إلى شريط البحث مجددًا، قررت ألا أخصص النتائج، وأخذت أبحث عن اسمه وسط بحر الأسماء المشابهة، وبعد نصف ساعة من التقليب في الحسابات المختلفة، وجدت شخصًا ليس على حسابه سوى عشرين صديقًا منهم الزميل الأول.

فتحت الصور مباشرة دون أن أنتبه للمعلومات الشخصية، لا صور شخصية، مجرد صور لجبل شاهق، وصور شلال، و٢٤ صورة أخرى لأماكن طبيعية تبدو كلها صور هاتف شخصي لا صور مسروقة.

عدت مجددًا للمعلومات الشخصية، كانت كل الأدلة تشير إلى أنه هو نفسه الشخص الذي أبحث عنه.

كانت سنة مولده هي سنة مولدي نفسها، وكان (طالبًا سابقًا لدى كلية الطب جامعة الزقازيق)، لكن مدينته الحالية (مونتريال).

فكرت لحظتها أن أرسل له رسالة لأتأكد إن كان هو، غير أنني تراجعت، وشعرت أنني إن تكلمت فلن يخرج من فمي صوت. كانت أم كلثوم تغني حينها:

”ويفوت علينا الزمان، يفرش أمانه علينا
يا رب، لا عمر كاس الفراق المر يسقينا
ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا
وغير شموع الفرح، ما تشوف ليالينا“

شارك