”رأيت بعض الأصدقاء، ومن بينهم الأعز عليّ
يغرقون بلا حول ولا قوة في المستنقع الذي
أمر به يوميًا.“ (١)
حين رأيت أوراقها المميزة تمتد إليّ فيما يشبه المصافحة، سرعان ما وقع في قلبي أننا سنصبح أصدقاء، والغريب، كما يمكنك أن تتخيل، يكاد يكون بيتلكك لعقد الصداقات مع البشر والحجر والشجر.
عرّفني كلاوس لاحقًا أنها شجرة البلوط (Eiche). كْلِك… توقدت لمبة فوق رأسي وسألته بانبهار مفرط: ألذلك تسمّون السنجاب (Eichhörnchen)؟
ردّ بنعم وعلى وجهه تعجب ظاهر من انبهاري الساذج. يبدو الأمر له بديهيًا؛ السنجاب يحب شجرة البلوط، وتراه دومًا في جوارها، يتسلق جذعها، يلتقط ثمرها، أو يجري وراء أصحابه لاعبين ومتشاكسين من غصن إلى غصن، ففيمَ العجب؟
لكنه سرعان ما تدارك نفسه: آه، أكيد لعلكم معتادون على حيوانات أخرى؛ الثعالب مثلًا، هاه؟ لا، ليس لدينا ثعالب. لا ثعالب في الصحراء؟ غريب!
بالطبع يستغرق الأمر وقتًا ودلدلة لسان حتى أشرح له أن أقرب مخلوق إلى السنجاب أعرفه هو العرسة التي لا تتقافز على غصون الأشجار ولا تلتقط الثمار، ولكن تتواثب بين محركات العربيات وتلتقط الكتاكيت أو صغار القطط، كقطّنا الصغير المسكين حمادة، رحمه الله.
تصبح شجرة البلوط ما إن تكتسب اسمها، لا كسائر الأشجار في الكتلة الخضراء الممتدة من حولي على جانبي الطريق، ولكن صديقةً لها اسم مميز ووسم ويد تمتد بالتحية. أبادلها السلام أيضًا في غدوّي ورواحي، وترعاها عيني باهتمام على مدار السنة، إذ تتلاحق الفصول عليها.
يحتاج الغريب ذلك، يحتاج أن يمد خيوط الألفة مع كل ما حوله ليواجه القلق المتربص وراء كل جدار وخلف كل ثنية!
ولا، كلاوس صديقي ليس جاهلًا ولا ألمانيًا أخرق كما لعلك تظن، ولكنه ببساطة، مثلنا، إنسان يجهل الكثير ويحتفظ بكثير من الصور النمطية عن خلق الله. لكنه، وهذا هو المميز، ذو فضول هائل؛ مستعد دومًا للسماع وتصحيح معارفه والتعرف على الآخر المختلف عنه.
يسأل عن الكلمات العربية ليحفظها ويرددها بعجمته الرقيقة، وينتهز الفرصة تلو الأخرى ليحكي عن رحلته زمان إلى مصر، ويروح يريني على الخريطة ما زار وكيف تنقّل في أرجائها…
أنكشه دومًا بالسؤال رغم تلجلجي وتلعثم لساني لأدع له أن ينطلق في ثرثرته المحببة عن المدينة التي يحفظها ركنًا ركنًا، والطرق التي ذرعها على دراجته وحفظ شوارعها عن ظهر قلب، وعن الإيزار، النهر الذي يخترق المدينة، وعن الجبال التي يعرفها واحدًا واحدًا معددًا أسماءها.
أنكشه لأسمع عن أبيه التسعيني الذي أقعده المرض عن توقّل الجبال، وعن أمه التي ما زالت ترعى حديقتها الصغيرة رغم عتوّ العمر، وعن الحانات العتيقة وعن المصانع الآفلة، وعن ظاهر المدينة الذي غيرته الأيام، وعن باطنها الثري، ولكن بالقذائف وبقايا الحرب.
أصغي إليه وأتمنى لو ينطلق لساني مثله بالحكايات التي لا تنتهي، وأحتمل في سبيل ذلك الكثير مما يشق على فهمي من لهجته البافارية الثقيلة.
يحتاج الغريب ذلك، يحتاج أن يمد خيوط الألفة مع كل ما حوله ليواجه القلق المتربص وراء كل جدار وخلف كل ثنية!
ورغم صداقتي الحميمة لكلاوس ولشجرة البلوط وللسنجاب، فإن الوحشة وجدت طريقها إلى قلبي؛ غلبت عليّ الكآبة ولم أدرِ ماذا أفعل. خرجت يومها من العمل وتركت لقدميّ المسير على هواهما، فمشيت حذاء السكة الحديد.
مشيت ومشيت عسى أن يتخفف قلبي من ثقله، مشيت حتى وجدتني فجأةً أخرج من بين البيوت والمباني وكل ما كان يحيط بي إلى أرض فضاء واسعة، خضرة ممتدة على مرمى البصر. كمن عبر بوابة سحرية، طرحت عن قلبي شيئًا من أثقاله وعثرت على طريقي المفضل.
مشيت من جديد ومشيت بين الحقول المحروثة والأبقار السائمة والماكينات المهجورة وجماعات الغربان المدوّمة، أتهادى بينها، أحادثها حينًا وأحادث نفسي أحيانًا، وأشنّف أسماعها في كل حين رغمًا عنها بصوتي المطرب. لم يكد يعترض سوى الغربان فيما أظن، وحين استيقنت لعنت أبا العلاء في سري (٢).
حفظت الطريق عن ظهر قلب وبتّ أنتظر الجمعة لأذرعه، متخففًا مع كل خطوة من همومي المتراكمة كالأحجار بجيبي مما جمعت على مر الأسبوع الطويل. أخلع عني أول ما أخلع معطف اللغة الثقيل الذي أتدثر به كل يوم ثماني ساعات، وأعود إلى لساني الذي عهدته في سلاسة.
ويتراءى لي بعد أن أسترسل مع خواطري أن المخيف في حالتي ربما ليس فقدان اللغة الأولى كما كان يخشى كلٌّ من زيبالد ونابوكوف (٣)؛ ربما ما يخيفني العكس: أن أحتفظ بها ولكن محنطةً متيبسةً مع تراجع حضوري الجسدي في العالم من حولي، وتحوّلي شيئًا فشيئًا إلى شبح منبتّ الصلة به…
ارتعبت، وما كان ذلك كله ليخطر ببالي لولا أني قفشت نفسي كلما قطعت ذلك الطريق مرسلًا روحي وراء القدماء!
أصاحب أبا عثمان الجاحظ بدأب في سعيه الذي لا يهدأ لاستكشاف العالم من حوله، وأرافق المقريزي في حداده الذي لا ينتهي على القاهرة وبكائه على خرائبها كالنائحة الثكلى، وأمضي مع أسامة بن منقذ في شيخوخته الوانية بعد حياة لم تكفّ يومًا عن الصخب، وهو يستعيد ذكريات طفولته وأهله وشيزر، وأول ذلك كله أبوه وطائره اللذان أحبهما وتعلق بهما قلبه كل تعلق!
ارتاع قلبي إذ وجدتني أذوب في تلك الحيوات الماضية، كأني – وخوفًا من أن تجرفني الأيام في موجها كسفينة بلا حول ولا قوة – رحت أشد نفسي بحبال متينة ولكن… إلى المرفأ الخاطئ.
وحين زارني صديقي ومشينا معًا على ذلك الطريق، بدا لي جليًا ما فقدت كلما وجدت أحاديثه وشكواه تسقط في مهاوٍ سحيقة قبل أن تبلغ أذني. يعجز عن مواساته لساني ويخفق في مجاراته عقلي لأنه بات غارقًا في حكايات الأقدمين وهمومهم.
وفي رحلتنا الأخيرة معًا مال عليّ كلاوس وقال: ”سُمّيت الصداقة كذلك لأن الأصدقاء يحققون كل شيء معًا“ (٤) لاعبًا بالكلمات. فرحت وعزّيت قلبي، لكني حين نظرت من حولي ورأيت مائدة الملك لودفيج الثاني صغيرةً ذليلةً يأكل عليها وحيدًا، وهو ملك بافاريا الشاب ذو القصور الرائعة (٥) والعينين الحزينتين، علمت أي وحدة عاشها الملك المترف رغم كل ثراء الحياة من حوله ورغم كل ممتلكاته الفاخرة.
ورأيت على مائدته تلك نفسي، وحيدًا قطعته الغربة عن أصحابه وعالمه ودفنته في ماضٍ ليس يملك منه شيئًا!
(١) قصيدة ”المستنقع“ لبرتولت بريشت.
(٢) ما فرَّق الأحباب بعـد الله إلا الإبلُ
والناس يلحون غراب البين لمَّا جَهلوا
وما على ظهر غراب البين تطوى الرحل
ولا إذا صاح غراب في الديار احتملوا
وما غراب البين إلا ناقةٌ أو جمل
(٣) يقول زيبالد في حديث معه: ”… يصف نابوكوف في مذكراته كيف تملّكه خلال دراسته بكامبردج ذلك الشعور بأن اللغة الروسية تفارقه، أنها بالفعل بدأت في مفارقته، أنه في تلك المراحل الأولى وأن عليه أن يبذل المزيد من الجهد لاستبقاء اللغة بذاتها، ولذلك كان يجلس كل مساء إلى تلك القواميس الضخمة التي كان يعثر عليها في سوق الكتب المستعملة، منفقًا كل مساء في تمارين الاحتفاظ باللغة.“
(٤) „Freundschaft heißt so, weil man mit Freunden alles schafft“
Freundschaft كلمة واحدة
ولكن schaffen ترد أيضًا فعلًا بمعنى ينجز أو يحقق، وباللعب بالألفاظ يقسم المرء الكلمة الواحدة كلمتين، فيصير المعنى أن الأصدقاء يحققون كل شيء معًا… أتعشم ألا يكون الشرح غلسًا.
(٥) من أشهرها القصر الذي يشبه شعار ديزني للغاية: Neuschwanstein Castle