⁠الخامسة عصرًا
٨٥٨ كلمة

يومَ حدث الحريق في منزل العائلة، أنزلنا جدتي سريعًا بملابس نومها وشالها الثقيل على كتفيها. لا ندري حتى الآن كيف طارت أقدامنا في الهواء على السلم، حاملين جسدها الصغير بين أحضاننا لنصل بها بسلام إلى مدخل العمارة السكنية التي تقطنها.

وبينما كان كل ما يشغل بالها أن تطمئن علينا أننا جميعًا حولها بخير، لم ينقص منا أحد، جلست تبكي وتتمتم بينها وبين نفسها بصوتٍ اعتقدت أنه غير مسموع وتقول: ”جواباتي اتحرقت…“

أنهت الحماية المدنية عملها في إطفاء الحريق الذي تسبب فيه الجار، فالتهم الشرفات الخارجية للمنزل، وصارت الغرف كلها معبأة ببقايا خشب الشرفات المتطاير والدخان ورائحة الوقود. لذا نصحوا الجميع أن يبقوا خارج منازلهم لأسبوعٍ على الأقل حتى تهدأ الرائحة العطنة ويصير الهباب المتطاير في الهواء شحمًا على الحوائط.

بعد أيام، نادتني جدتي وجلست تبكي بكاءً أعرفه جيدًا؛ إنه بكاء الفقد. حاولت أن أطمئنها أن والدي يقف على قدمٍ وساق لإنهاء إجراءات تصليح شرفات منزلها بأسرع وقت، وأن المنزل – ولله الحمد – لم يتأذَّ من الحريق، فقط يحتاج لتجديد دهان الحوائط وإزالة طبقات الهباب عن الأثاث.

أخذت نفسًا عميقًا من قلبها وطلبت مني أن أذهب بسرية تامة إلى منزلها، أفتح دولابها كعادتي كلما طلبت مني، وآتي لها بصندوقها الأزرق المعدني الذي كان – كما حال كل الجدات – صندوق بسكويت زبد فاخر.

سألتها عن السبب وأنا أعلم أن مصوغاتها ليست في هذا الصندوق وإنما في صندوق آخر خشبي، فردت عليّ أن هذا الصندوق فيه كل جواباتها لجدي رحمه الله.

في اليوم التالي، ذهبت إلى المنزل رغم إصابتي بحساسية الصدر المزمنة، مرتديةً قناعًا واقيًا على أنفي وفمي مثل الذي كنا نستخدمه وقت الجائحة.

فتحت باب المنزل، وبدأت أبكي بين أحضانه دون سابق إنذار على ما صار إليه حاله. لكن لم يكن لدي وقت؛ فأبي قد يصل في أي لحظة مع العمال ويوبخني على وجودي.

دخلت الغرفة بمفتاحها القديم وفتحت الدولاب، فوجدت الصندوق في مكانه المعتاد داخل الضلفة اليسرى، يقبع على الرف السفلي خلف ملابس العمرة البيضاء الخاصة بجدتي. أخذته وأغلقت الدولاب والغرفة كلها وخرجت من المنزل.

فتحت الصندوق الذي يحمل رائحة منزل جدتي المميزة مع كولونيا جدي ”الخمس خمسات“. خلعت قناعي وظللت أشم رائحة الزمن داخل الصندوق وأبكي، حتى وقعت عيناي على أول خطاب أمامي. ورغم احترامي لخصوصيات الآخرين، وجدت سحرًا غريبًا يهمس في أذني يرجوني أن أفتح هذا الخطاب.

فتحت أول خطاب وقرأت حتى فقدت إحساسي بالزمن، لأجد نفسي قد قرأت جميع الخطابات الموجودة بالصندوق، وكان عددها أربعين خطابًا، مؤرخةً بنهاية كل شهر خلال ثلاث سنوات وأربعة أشهر بالضبط. صدمت من حقيقة العدد؛ عدد أشهر رحيل جدي أربعون شهرًا، لقد كانت تكتب له في نهاية كل شهر منذ رحيله.

احتضنت الصندوق وضممته إلى صدري وجلست أبكي، حتى انتبهت أن هناك من كان يسمع نحيبي ويقف بجواري في صمت.

وجدت في عينيه الدموع، فعلمت أنه قد سبقني وقرأ هذه الخطابات من قبلي. ضحكنا قليلًا على هذه المصادفة، وطلب مني ألّا أخبر جدتي أنه قرأها، وقال لي جملته الشهيرة: ”خليكي جدعة“. ثم أرسلني إلى المنزل حتى لا أتأخر عليها أكثر من ذلك.

وصلت وأعطيتها الصندوق، فاحتضنته وظلت تبكي بجواره حتى غفت بهدوءٍ ووداعة. وتركتني طوال الليل أفكر في كل خطابات الحب والونس التي قرأتها لجدي، وتركت داخلي سؤالًا:

”هل هناك على وجه الأرض رجل يستحق كل هذا الحب غير جدي؟!“
الإجابة التي أعلمها جيدًا: لا، لا يوجد.
قررت أن أدون داخل دفتري أكثر الخطابات تأثيرًا على قلبي، وأقواها دفئًا وحنانًا…

حبيبي الغالي/ محمد

وحشتني جدًا، مفيش حاجة في الحياة ليها معنى من غير وجودك، حتى باب الأسانسير لو فتح و ما سمعتش مفتاحك في الباب قلبي بيوجعني، النهارده عملت قرص في الفرن وماحرقتهاش زي كل مرة، شربتها مع شاي بلبن في المطبخ لوحدي.

الشهر ده أول شهر بعد ما عدت أول سنة وانت بعيد عني، كل يوم بفرش ملاية جديدة على سريرك وأعطره، محدش بينام عليه غيرك، بأسهر أكلمك عليه طول الليل وأروح أنام على سرير تاني.

ابنك وولاده مش بيسيبوني خالص ربنا يبارك لهم، ولاد الغالي أحن الأحفاد زي ما بتقول، كل يوم بنته الكبيرة تيجي تقعد معايا الصبح وبالليل هو ييجي يبات معايا.

طبعًا بينام على الكنبة ما انت عارف مش بينام إلا قدام التلفزيون، بس بأسمع عياطه، فكرك عشان كبر وعنده ٥٥ سنة مش هيعيط؟ ده الحنين.

بيعيط كل يوم بس فاكرني مش سامعاه ولا حاسة بيه، بقاله سنة مادخلش أوضتك لا هو ولا ولاده، بأشوف عينيهم على باب الأوضة المفتوحة ومش قادرين يدخلوا، مش قادرين وانت مش فيها يا حبيب عمري.

الشهر ده الكبير جالي مرتين ، ادعيله الله يقويه المسؤولية عليه صعبة، واخد بأيد إخواته كلهم، طول عمره يا حبيبي حمال الأسية، لا وولاده بيسألوا والله ماتقلقش الحمد لله.

حمدي كمان بقى بيكلمني من أمريكا كل يوم ساعة و أكتر، بيقول إنه زهقان لوحده وإني أكيد زهقانة لوحدي فبيتصل يسليني، بس الحقيقة أنا عارفة إنه خايف عليا، وخايف يموت من غير ما يودعني، بيحاول يتكلم عن أي حكاية، بس كل الحكايات بترجع تحكي عنك يا حبيب العمر.

النهارده اشتغلت أغنية ”أما براوة“ بتاعة نجاة واحنا قاعدين نشوف التلفزيون بعد الغدا أنا والبنات، عيطت و كنت محتاجة كتفك اتسند عليه، ماقدرتش أسكت غير أما حبيبتك الصغيرة ضحكتني، مايعرفوش غلاوة الأغنية دي على قلبك، ماشافوش قعدتنا في البلكونة جنب الراديو نسمعها، سمعتها معاك ٦٠ سنة، أول مرة أسمعها النهارده من غيرك . .

”بحلم وأغني لحبيبي وفين حبيبي.. ماليش حبايب يا عيني وأنا ونصيبي“

عدت سنة و ماليش حبايب بعدك يا كل الحبايب..

إلى أن ألقاك يا حبيب العمر كله . .

زوجتك المحبة دائمًا / نادية
بتاريخ ١/٨/٢٠٢١

شارك