ثلاث سنوات مع ماما في عيادات الأورام والمستشفيات ومئات الفحوصات والأشعات المطلوبة لم تكن لتحركني، اسحب شنطة أمي فوق كتفي وشنطتي فوق كتفيّ الاثنين، وأرفع يدها لتسند على يديّ وأسير في طرقات المستشفيات.
لا شيء يهزني ولا خبر مهما كان صعوبته يفجعني، ولا حمام مستشفى يرى دموعي.
فقط اليوم كنت على وشك الانهيار والبكاء الذي لم أستطع أن أتوقف عنه في عيادة الأسنان. اليوم أرى أمي تتحرك بصعوبة وتتأوه من السلم الصغير المؤدي لغرفة الكشف، أرى جسمها المتآكل قبل أن تجلس على كرسي الأسنان لخلع ضرس صغير يؤلمها.
لا أتذكر عدد المرات التي رأيت ماما يتم تركيب لها سِن ”البورتكاث“، سِن كبير يشبه سِن الحقنة العادية، ولكن يتم غرسه أسفل عظم الرقبة أو أعلى الصدر ليمرر من خلاله جرعة الكيماوي.
جرعة الكيماوي التي كانت لتستمر لمدة 48 ساعة، وأحيانًا 50 و51 ساعة متواصلة. نسير بجهاز كهربائي صغير مُعلّق على حامل معدني، بمجرد فصل الفيشة، يعلن الجهاز امتعاضه في أصوات مستمرة كتنبيه أنه ”هيفصل“.
تدخل ماما بالجهاز إلى الحمام، وتخرج به أيضًا سريعًا لإعادة الشحن. تخبرني إن صوته المستمر يذكرها بالرضيع الذي يطلب صدر أمه لأنه يحتاج أن يأكل.
تستطيع ماما أن تضع لمسة الأمومة الحانية في كل تفصيلة مهما كانت مؤلمة إلى حد كبير، نضحك فنمرر الأيام الصعبة.
اليوم في عيادة الأسنان أجلس لأرى نفسي في مراية غرفة الكشف، أحاول جاهدة، وأفشل، أن أمسح دموعي سريعًا لكي لا تلحظ ماما شيئًا ولا يرى الدكتور فيسأل.
تخيب المحاولات تمامًا عندما يصدح صوت راديو الدكتور والست تطلق ”الآه“ المعتادة، فتنزل الدموع مرة أخرى، حتى الست لم تكن متعاونة في تلك اللحظة.
ألملم نفسي سريعًا وأحاول مرة أخرى مواساتها وإلهاء نفسي: ”معلش، معلش يا ماما، قربنا نخلص“.
كانت أربع درجات من السلم الصغير الداخلي المؤدي للغرفة كافية لجعلي أدرك إن ماما تتألم فوق الاحتمال والطاقة، شيء غريب جدًا أن تعلم مدى فداحة أمر يحدث أمام عينيك كل يوم موثق في موقف عشوائي شديد الصغر لا يمت للأمر بصلة من بعيد أو قريب.
يخبر الدكتور ماما إنه هيخلع الضرس ده أخيرًا بعد محاولات من الحفاظ عليه من ماما، لأنها تعلم قيمة الأسنان في جسم الإنسان، هل تعلم قيمتها لدينا؟ لديّ أنا على الأقل؟
يخبرها أيضًا إنه يحتاج أن يمنعها عن الأكل لمدة ساعتين أو أكثر. ”في العادي كنت هقولك ممكن تشربي حاجة كمان ربع ساعة، بس أنا محتاج الدم يتجلط والجرح يلم وده بيحصل بصعوبة مع الكيماوي لأن انتي أكيد عارفة وقت الالتئام بيبقى أطول“.
كيف نهرب من المرض؟ يبدو إنه لا مفر. يعرف السرطان اللعين كيف يطرق كل الأبواب ويدخل ويجلس بدون ترحيب منا، يعرف كيف يقحم نفسه في محادثات لا ناقة له فيها ولا جمل.
حينما يتحدث الشخص وهو يبكي فإن صوت حشرجة البكاء يظهر بوضوح، وهو آخر شيء كنت أريد أمي أن تشعر به.
منذ ثلاث سنوات قررت أن أكون الكبيرة، لا شيء سوى الكبيرة التي تسند وتقيم وتساعد على أكل وجبة الغداء والعشاء بعدما تهرب منها ماما عدة مرات ثم الاستسلام في النهاية.
كل شيء يخص ماما أقوم أنا بعمله، لم يمنعها ذلك من التأكد إني ”متغطية بالبطانية كويس“ في ليالي يناير الباردة بالمستشفى.
دور الشخص المراعي للمريض صعب من حيث المهام الجسدية لأنه عليك أن تفعلها كل يوم، ولكن الصعوبة النفسية والذهنية تغلب الجسدية بمراحل أعمق، لأنه ليس عليك فقط أن تفعلها كل يوم، ولكن باهتمام لا ينقص، بل عليه أن يزيد رغم كل شيء.
يشعر المريض طوال الوقت إنه شخص ثقيل، لا يقوى على حمل نفسه جسديًا أو نفسيًا، يحتاج الرعاية والعناية المستمرة ويحتاج من يخبره إن كل شيء سيكون على ما يرام، وسنضحك كثيرًا عند اجتياز تلك الفترة الصعبة، وإنك قادر على استعادة حياتك السابقة مرة أخرى.
ستتحرك وتخرج وتذهب وتعود لعمل كل ما تحب بنفس الطاقة والصحة والمرونة.
عليك كمُراعٍ لمريض أن تكون قادرًا على تأكيد تلك الأمنيات كل يوم، ولا يضر أن تسرف في أمنيات جديدة بعد الشفاء للتشجيع ومد يد العون.
أريد أن أجلس أنا وماما على أي درجة من درجات السلم الأربعة لأبكي وأحتضنها وأخبرها أن حتى في عيادة الأسنان كل شيء سيسير على ما يرام.
لا أرى جدوى من الأمنيات الطيبة والنوايا الحسنة وكل شيء يعيد تكرار نفسه مرة أخرى بلا توقف ولا رحمة.
تعترض ماما في لحظة نادرة على محاولاتنا للمواساة والتربيت على كتفها للمرور من المحنة القادمة المجهولة:
”أنا مقعدتش شهر واحد في البيت من غير كيماوي ولا كانسر! شهر واحد مارتاحتش!“
أحفظ مواعيد الأشعة والمسح الذري عن ظهر قلب، ولم تتسنَّ لهذه الحقيقة أن تشق قلبي بخنجر في التو.
هذه السيدة تعلم جيدًا ما مرت به، تنسى المواعيد والأدوية أحيانًا، أنساها أنا أحيانًا أخرى، ولكننا لم ولن ننسى أن المرض رفيق ملازم غير مرغوب فيه طوال السنوات الماضية.
توقفت عن العد لعدد المرات التي أردت فيها أن أرتمي في حضن أمي لأخبرها بأن أمي مريضة ولا أعرف كيفية التصرف في مثل هذه الأشياء، ولكن أتراجع لمعرفة الحقيقة الصغيرة البديهية شديدة القسوة بأنها آخر شخص يمكن أن أخبره بهذا، عليّ أن أتعلم اللجوء لنفسي.
نفسي فقط.
أسمع تأوهات الألم وأنتظر وأصمت لتمر، أقترح المقترحات المعتادة لضرورة تناول وجبة الإفطار والعشاء بالتحديد لأنه يعقبهما تناول ٥٠ مللي من الكيماوي بعد كل وجبة.
أشعر بأنني السجان الغليظ الذي يقر بالأوامر المكروهة.
أخبر الطبيبة في الفحص إن لنا تاريخًا مرضيًا عائليًا مع السرطان. ليس دخيلاً ولا غريبًا، لكنه ثقيل وقريب بشكل بغيض تلك المرة، أضحك من قلق الطبيبة إنه متفشٍ لدينا، نعرف ذلك جيدًا، ولا داعي للقلق تمامًا.
السرطان لا يطلب الإذن ولا السماح، يزورك ويجعلك تتوه عن كل ما هو غير سرطاني.
هل جرعة من الكيماوي قادرة على جعل ماما قادرة على نزول السلالم بسهولة؟ على الضحك بدون الخوف من وجع المعدة و”قومة القولون“؟
لا أمتلك أنا ولا الكيماوي ولا أكثر العلاجات تقدمًا إجابات، ولن يساعدنا أحد في هذا الشأن، على أي حال الإجابة لن تغير المسار كثيرًا.
يخبرني الكثير إنني سأتمتع بالخيرات والبركة وتعويضات الله عن وقتي وجهدي مع ماما، لا أنتظر مردودًا على أي حال، أنتظر شيئًا آخر مع كامل معرفتي إنه لن يحدث.
يجب علينا تعلم الانتظار لأن الله لا يعطي تجاربه إلا لأشجع جنوده وأكثرهم تحملًا.
كم كنت أتمنى لو كانت أمي إنسانًا أو جنديًا ضعيفًا خارج هذا الإطار، لا يُجرّب ولا يُختبر من كل تلك الآلام.
ولكن ”آدي الله وآدي حكمته“.
أنا حتى لا أريد أن أعلم الحكمة، لربما تكون أكبر من قدرتي على الفهم والاستيعاب.
ربما استنفذت كل قدراتي في الشعور بالألم والتعايش معه والمشي جنبًا إلى جنب.