يقفز ابني فجأة فوق كرسيه ليفسح المجال للكلب الهاسكي الضخم الذي دخل مع صاحبته إلى عربة المترو، أنظر إليه منزعجاً من ردة فعله، يحاول العودة إلى وضعه الطبيعي، يتشبث بذراعي ثم يقول لي ”أنا آسف“..
أعود إلى صوابي، أحتضنه وأسأله ”بتتأسف ليه؟“، ”عشان خفت“ كان جوابه، أرد عليه مستنكراً ”وهو انت فاكر إني مبخافش!“.
بعد وفاة أمي، اختبرت الوحدة للمرة الأولى، دعني أخبرك، الوحدة أخطر من الهاسكي، دخلت في مجتمعات كثيرة، فقط حتى لا أكون وحدي. رضيت بأنسٍ كاذب، واخترعت له من التبريرات الكثير، حين كان يخذلني مرة بعد الأخرى. عرفت فيما بعد أن سلوكي كان أقرب للpeople pleasing، خفت الوحدة حتى أنني كدت أن أخسر نفسي.
بعدها في التجنيد، صادفت لوحة كبيرة مكتوب عليها حكمة ”الوحدة خير من صديق السوء“، أزعم أن قائلها لم يجرب الوحدة قبلاً، لا يوجد صديق أسوأ من نفسك الوحيدة.
لذا أنا أخاف الوحدة، وهذا الخوف كان محركي الأوحد في قرارات مصيرية، آذتني كثيراً فيما بعد، أهمها السفر.
أخاف الغربة، ألِفتها بالطبع، لكنني أخافها جداً، اكتشفت أشياء في نفسي ومن حولي لم تكن لتظهر لولا الغربة، ثم بعد عدة سنوات كمغترب، يصبح هذا هو كل ما أنت عليه، لا وطن لك، منفى دائم، وإحساس مستمر بـ “not belonging”، أخاف ألا أرى بيت أمي مرة أخرى.
دائماً ما كنت أقول إن خطتي المثالية للتقاعد هي العودة لشقتنا في دمياط، “كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل”، فعلاً والله. عرفت الضعف الحقيقي في الغربة.
تعرف؟
أخاف الضعف جداً، أخاف أن يعرف أحدهم ما أخافه، كما فعل ذلك المدير حين هددني بفقدان وظيفتي، نتيجة لتهديده٬ أو للدقة لخوفي من تهديده، أخذت قراراً مصيرياً آخر، ستنقلب معه حياتي رأساً على عقب، بشكل مفاجئ.
أنا أخاف المفاجآت. ذات ليلة، فوجئت بتسارع متزايد لضربات قلبي، لم تكن نوبة الرجفان التي اعتدتها، كانت مصحوبة بتعرق شديد، ضيق في التنفس، وعدم قدرة على الكلام، كنت مرتعباً كأنني أرى الموت، كررت الشهادتين مرات عدة.
بعدها فكرت بيني وبين نفسي “طالما قلت الشهادتين فأنت لن تموت”، طمأنتني -شوف السخرية- ثقتي أنني لا أستحق الموت على الشهادة.
سيخبرني الطبيب لاحقاً أن ما مررت به كان “panic attack”، ستكون تلك الهجمات أنيستي لفترة لا بأس بها، يخبرني الطبيب عن تقنيات للتعامل معها (أتنفس ببطء، شوف حاجات حواليك وحاول تمسكهم “سرير، لمبة، موبايل، لحاف، كوباية”، قول حاجة بتطمنك “باقول الشهادتين” بعدها اشرب مية).
سيخبرني الطبيب أننا سنعرف سوياً كيف يمكنني التعامل مع نوبات القلق والاكتئاب.
أنا أخاف القلق والاكتئاب، لم أعرف أنهما مرتبطين أصلاً حتى وقت قريب، كنت أظن الحزن هو المصاحب للاكتئاب.
سأستيقظ في أحد أيام ديسمبر الباردة على بيان أصدرته المؤسسة الكبرى بالاستغناء عن عدد ضخم من المتعاقدين نظراً لضغوط كورونا، كنت واحداً من هؤلاء المتعاقدين، ضرر جانبي لجائحة عمت الكوكب كله.
مفلس، مطلق، بلا عمل، مكتئب، في أرض غريبة.
ها أنا أعود مجدداً إلى الوحدة، وأنا أخاف الوحدة.
لكنني لن أكرر الخطأ مرة أخرى، أو على الأقل سأحاول.
شاهدتُ قبل فترة مقطعًا لمهندس يشرح فيه بطريقة طريفة وبليغة سبب طلب فرق خدمة العملاء إطفاء الراوتر وتشغيله مجددًا.
شبَّه الأمر بأنك تتعامل مع الراوتر كما لو كان شخصًا تائهاً، ضل طريقه، ولن يهتدي إلى الطريق إلا إذا عاد إلى نقطة البداية التي يعرفها جيدًا. فحين تطفئه ثم تعيد تشغيله، أنت لا تفعل أكثر من أن تعيده إلى أول الطريق… الطريق الوحيد الذي يُحسن السير فيه.
أفكر أنه ربما كانت تقنيات الطبيب للتعامل مع الـPanic Attacks هي بمثابة ”إطفاء للراوتر وإعادة تشغيله“، سأعتمدها إذن للتعامل مع الخوف، لن أتخذ قرارات متسرعة، لا داعي لذلك، ”أتنفس ببطء“، سأخدع خوفي بشغل وقتي بمهمات صغيرة ترتيب السرير، تنظيف المنزل، غسل الملابس، الكتابة، القراءة، وقليل من العمل.
سأفشل في أداء بعض المهام، لا يهم، غداً أنجز أكثر من اليوم. وسأكرر الدعاء الذي تعلمته من أمي ”لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين“.
أنظر إلى حياتي السابقة وأذكّر نفسي أن كل شيء -حتى الآن- يمر: حلوه ومرّه. هذا لا يعني انتهاءه بقدر ما يعني أنني أتعلّم التعايش معه، أتعلم كيف ”أهندله“ بدرجات متفاوتة، وأنني -على الأقل- لم أصل إلى مرحلة اللاعودة… وأتمنى ألا أصل.
أقول لنفسي إن حالي الآن أفضل كثيراً مما كنته، وأن الحياة لم تنتهِ كما تصوّرت قبلاً… بل على العكس تمامًا، وأنه لا بأس في الخوف، لولاه لما اطمأننت.
”أنا آسف إني ضايقتك“ قلتها لابني وأنا أربت على رأسه، ”تعرف، أنا بردو باخاف من الكلاب، وأنا صغير كان عندنا كلاب بلدي في الشارع طلعوا يجروا ورايا لحد ما قطعوا نفسي“، “did they bite you?”، ضحكت “لا الحمدلله، كنت وقتها سريع، والأدرينالين عمل عمايله ففلت منهم”.
أستطرد ”بس على فكرة الهاسكي ده كلب هفأ أوي والله، تيجي نجرب نطبطب عليه؟“ آستأذن صاحبته وأدني يدي المقلوبة تجاه الكلب الذي يشمها، ثم يسمح لي بالربت على رأسه.
في تعريفه للشجاعة، يقول مانديلا أنها ليست في عدم الخوف، وإنما في التغلب عليه.
كنت شجاعاً لمرة، بفضل ابني.