أغسطس 1999
كانت الأجواء لأسابيع قبل هذا اليوم أبوكاليبسية بامتياز، التلفزيون للمرة الأولى بكل قنواته مخصص للكلام عن الحدث الكوني العظيم ”آخر كسوف كلي للشمس في القرن العشرين“.
الخبراء والأطباء والسياسيون وخطباء المساجد والعمال في المصانع وكل من كان لديه مثقال ذرة من سلطة يحذرون الجميع من النظر إلى قرص الشمس لحظة الكسوف وإلا سنصاب بالعمى.
بعض الجرائد نشرت حيلاً مختارة للتعامل مع هذا اليوم، رافقت الصحف منشورات صغيرة عن كيفية صناعة ”نظارة الكسوف“ بأدوات بسيطة: استخدام فيلم أشعة قديم أو شراء floppy disk واستخدام شريط الداتا الممغنط بداخله للنظر أو وضع طبقات متعددة من البلاستيك المستخدم لتغليف كراسات المدرسة فوق النظارة الشمسية.. وغيرها من الحيل.
لكن أمي لم تقتنع بأي من هذه الحيل، حتى بعد أن قمت مع إخوتي بإفساد فيلم أشعة قديم وقصه على شكل نظارة، لم يكن ”العمى“ مجرد لفظة للتخويف في حياتنا، أبي رحمه الله كان أعمى، كذلك كان شيخنا في المسجد.
كانت تلك المعاناة البعيدة التي ترهب الناس واقعاً في بيتنا.
في يوم الكسوف، غطينا النوافذ، وأغلقنا الشيش، لا أذكر ذهابي لأي من المسجدين المجاورين للمنزل لأداء صلاة الكسوف، تسمرنا أمام شاشة التلفزيون الصغيرة ونحن نشاهد البث الحي للحظة إغراق العالم في الظلام، كانت المساجد تعلو بالتكبير وقتها ولا يشاركها أي صدى آخر.
في اليوم التالي، ظهرت عناوين الصحف عن حالات فقدان بصر في بعض المحافظات لبعض الناس الذين خالفوا التعليمات وطالعوا عين الشمس بأعينهم المجردة، وانقلبت أحاديث الحارة عن ”الحاجة فلانة اللي اتنقلت المستشفى“ أو ”الواد ابن فلان اللي بص بس ربنا سترها معاه وهيلبس نظارة نظر بس“.
لم تختف الأحاديث والشائعات لأسابيع بعد هذا اليوم، ساهم في ذلك دخول العام الدراسي الجديد.
في واحدة من أوائل الحصص، بدأ المدرس حديثه عن الكسوف الكلي الذي حدث في الشهر الماضي، وسألَنا عمّا إذا كنا قد شاهدناه.
رفعنا جميعاً أيادينا بالموافقة، عدا ”ياسر“ – ربما يكون اسماً مستعاراً، لا أذكر اسم زميلي، لكنني أذكر شكله بوضوح كامل – ارتفع صوته وهو يقول ”أنا شفته من غير النضارة!“.
بشعر يميل للصفرة وعينين تميلان للون الأخضر، كان ياسر يبدو مختلفاً عن جميع من في الفصل، ربما في المدرسة كلها. بدأ ياسر في سرد تفاصيل المغامرة، كيف أن عينه ”حرقته شوية“ لكنه لم يصب بأذى، وكيف أن والده وبخه بعد ذلك لكنه أراد اختبار صحة التحذيرات المنتشرة.
أخبرنا عن كيف تحول الشارع من شباكه إلى ظلام دامس كأننا بعد منتصف الليل، ثم أضاء كله مرة أخرى بعد ذلك، وهي اللحظة التي ظن فيها أن ”النور هيعميه“.
في البداية، كنا نستمع جميعاً بانبهارٍ وشغف حقيقي، ثم بدأنا واحداً تلو الآخر نسرد مغامراتنا يوم الكسوف.
فلان يحكي عن المشاهدة من نوافذ المسجد الذي ذهب إليه مع والده، الآخر يحكي عن التلسكوب الذي أحضره إليه قريبه من السعودية وأنه رأى الشمس بحجمها الطبيعي، وأنا حكيت طبعاً عن النظارة التي صنعتها من فيلم الأشعة وشهودي -الذي لم يحدث أبداً- للكسوف من البلكونة.
زادت القصص والحواديت، وضاعت القصة الأولى.
صار ياسر مجرد ياسر ”الأبيضاني“.
في الجزء الأخير من أفلام هاري بوتر، يوكل رفيقه رون ويزلي بالتخلص من الهوركراكس الموجود في قلادة سليذرين، التي بمجرد أن فتحها رون جسدت له مخاوفه الداخلية، كونه يرى نفسه الأقل بين كل الآخرين، هاري هو الطفل الذي نجا، هيرميون هي الأذكى، أمه كانت تتمناه ابنة وقت الحمل، وأشقاؤه محبوبون أكثر، أما هو فلا ميزة له.
كانت جل مخاوف رون تتجسد في الضغط الجمعي، مقارنة مجتمعية لم يحتملها كونه يرى كل ميزات الآخرين، ولا يرى في نفسه أي شيء.
لم يقصد أبداً هاري أن يكون ”الطفل الذي نجا“، ولم يكن لهيرميون أي يدٍ في ذكائها المتقد، ولم يكن ياسر سوى مجرد طفل يحكي ما عاشه، أو ما نظن أنه عاشه، فأنا بعد لم يزل في داخلي جزء يأبى تصديق روايته.
ما يهم، أنني أؤمن أن أياً منهم لم يدرك أنه يخلق ضغطاً على أقرانه، ولم نكن نمتلك، لا نحن ولا رون، أي وسيلة دفاعية سوى التقليل من تلك الميزات، أو جعلها عادية، إذا رأى الجميع قرص الشمس، فلا يوجد ما يميز أي أحد.
وقت ما خلال 2026
يوم عادي، اصطحبت ابني من المدرسة بعد نهاية أسبوع مرهق، أسأله عما جرى في يومه، يرد بإجابات مقتضبة عن دروسه، اللغة، العلوم، الحساب، يبدو غير مكترث بسؤالي هذا حقاً.
بعدها، دون أن أسأله، يبدأ الحكي بانبهار عن رفاقه، ذلك الذي يلعب في أكاديمية النادي العريق، والآخر الذي يملك حساباً على يوتيوب، والثالث الذي يحل المعادلات بسرعة فائقة، يضيف حكاية عن الهدف الذي صنعه في ذلك اليوم، أو عن كيف فاز في سباق الجري.
يصمت قليلاً ثم يسألني إن كنت سأصبح سعيداً إذا احترف كرة القدم، أو صار متفوقاً دراسياً، أو حقق الدرجة النهائية في الامتحانات، أجيبه: ”هل سيسعدك أنت أي من هذا؟“
يطلب مني ألا أجيب سؤاله بسؤال آخر، أرد: إن ما يهمني حقاً هو أن يكون سعيداً، وأن هذا فعلاً ما يشغلني، يباغتني بالاستطراد:
”It’s because you are always asking me to do more, because you want me to be better.
I got that.
That’s why I’m asking if YOU would be happy.“
أحرجني الفتى فعلاً ووضع قولي أمام فعلي، أحاول الدفاع عن نفسي و”مَنطَقَة“ ما أراه، لكني أصمت.
تتشابك أفكاري قليلًا، أفكر أنه لا عيب في أن يكون طموحًا، وأنه ليست كل مقارنة بالآخرين ضارة بالضرورة.
يمكنه أن يرى في أي شخص آخر شيئًا ما يحبه، أو مهارة يتمنى لو يمتلكها، أو نجاحًا يطمح إليه، المهم ألا تتحول هذه المقارنة إلى الطريقة الوحيدة التي يرى بها نفسه.
أن يعرف أن ميزة الآخر لا تعني غياب ميزته هو.. بالطبع لا أشاركه هذا الجزء الأخير، فأنا لا أعرف مدى صحة أن يرى تخبط أفكاري.
أعتذر له أنني أحياناً قد أخفق في ذلك، لكنني أحب أن يراجعني دائماً.
أخبره أنني لا أقارنه بأي أحد، ولا أريد منه أن يقارن نفسه بأي أحد، وأنني أقارنه بنفسه فقط، هل هو شخص أفضل مما كان عليه؟ هل زادت مهاراته؟ هل يتحسن مستواه اليوم مقارنة بالأمس؟
لكنني فقط أود لو أنه يدرك مبكرًا أن ما يهم ليس أن ينظر إلى قرص الشمس، المهم هو أن يحاول، قدر ما يستطيع، أن يحتفظ ببصره.