⁠الخامسة عصرًا
١١٣٥ كلمة

لم أتخيل أنني حين فتحت تلك الحقيبة القديمة التي تخص أمي، رحمها الله، أنني سأتوقف أمام تلك الصورة لأبي.

لديّ أزمة حقيقية مع فكرة كوني بالكاد رأيته. توفّي وأنا لم أُكمل عامي الثاني، لا تجمعني به أي ذكرى حقيقية، لا صور، لا تسجيلات، لا شيء على الإطلاق. صورة وحيدة جماعية مع كل أفراد العائلة، يقف هو في الخلف مع الرجال طوال القامة، وأقف أنا —أو للدقة أُحمَل— على ذراع أمي في أقصى يسار الصف الأول.

أصبحت أمي تقوم بالدورين معًا، الأم والأب. كانت رحمها الله تحاول دائمًا ألا يتحوّل فقدنا المفاجئ إلى حالة انتقاص دائمة.

”اللي أبوه ميت يطلع عالسبورة“ قالها الأخصائي الاجتماعي في المدرسة الابتدائية، بعد أن دخل إلى الفصل ومعه عدد من طلاب الفصول الأخرى ”أبوهم ميت“. بالطبع خرجت على السبورة مع آخرين من فصلي، مررنا على باقي فصول المدرسة، يكرر الأخصائي نداءه في كل فصل ليصحب قليلي الحظ معه، حتى اكتمل العدد.

وصلنا إلى غرفة المسؤول عن الكتب والمصاريف، كان ينادي على أسمائنا، يوقّع أمام الاسم ويُسلّم كل تلميذ كتبه. انتهى التوزيع ولم يأتِ اسمي، سألني المسؤول:

– ”اسمك ايه؟

= ”حسام محمد سرحان

– ”انت أبوك مات امتى؟

= ”زمان وأنا صغير

– ”اسمك مش في الكشف، انت أمك دفعتلك المصاريف؟“

يقبض على يدي ونذهب لغرفة أخرى، يخبرني: ”يابني انت دافع المصاريف، جيت معانا ليه؟“ لم أفهم، النداء كان عن ”اللي أبوه ميت“ وأنا ”أبويا ميت!“، ما علاقة المصاريف؟ ماذا تعني المصاريف أصلًا!

وبّختني أمي حين حكيت لها بعد المدرسة، وأخبرتني ألا أستجيب لمثل تلك النداءات مستقبلًا: ”لو احتاجوا مصاريف أو حاجة قولهم يبعتولي وأنا هادفعها، مش محتاجين حاجة من حد“.

كانت حريصة دائمًا على صون ذكرى أبي الطيبة: دفاتر تحضير دروسه، أوراقه، تسجيلاته الخاصة مع أختي وأخي، مسرحيات مدرسة المشاغبين والعيال كبرت، وأغاني سيد مكاوي، وبعض السور التي كان قد سجّلها بصوته* —في إطار سعيه الفردي غير المكتمل لتسجيل المصحف بصوته—.

حافظت على صلتنا بعائلة أبي من خلال الزيارات الدائمة لمنازل أعمامي، وحافظ أعمامي قدر ما استطاعوا على ذلك أيضًا، خصوصًا عمي شاكر رحمه الله، كان الأقرب إلينا في طفولتي.

أحببت ”النيڤا الخضراء“ لأنها كانت سيارة عمي، أذكر وقوفي في شرفة شقتنا في انتظار ظهور السيارة في أول الشارع ثم الصراخ: ”ماااماااا عمو شاكر جه، عمو شاكر جه“، لحظة نزوله من السيارة ووقوفي وإخوتي لتحيته من الشرفة.

كان يحاول دائمًا مشاركتنا حياته قدر ما استطاع. أذكر ليلة وفاته كأنها حدثت بالأمس: رنين الهاتف الأرضي في الليل، نصحو جميعًا مفزوعين ”خير اللهم اجعله خير“، أُضيء ”اللمبة السهاري“ ذات الضوء الخافت، أمي ترد على المكالمة، حوقلتها المتكررة، ”إنا لله وإنا إليه راجعون“، والبكاء الذي لا يهدأ.

لا أذكر لحظة وفاة أبي بالطبع، كنت في المرحلة بين الرضاعة والفطام، لكن لحظة وفاة عمي احتلت هذا الجزء من ذاكرتي.

”- يا حسام، عليك ايه انهاردة؟

سورة ”فصلت“

طيب سمّع، ”إن الذين يلحدون في آياتنا“

أبدأ ”التسميع“: ”لا يخفون علينا، أفمن يُلقى في النار خيرٌ…“ أتلعثم، ”أفمن.. يُلقى.. في النار.. خير“ أقرر الارتجال:

”أمّن يُلقى في الجنة…“ يقاطعني الشيخ وهو يبتسم بعصبية ضاربًا فخذي بعصاه:

”احدفوا أنفسكم، ما هو قرآن أبونا.“ يستطرد بلهجة صارمة: ”روح راجع يا حسام، هات إيدك خد عصايتين عشان تبقى تحفظ.“

كان الشيخ إبراهيم واحدًا من طلاب أبي، يشبهه في الشكل، وتقول أمي إنه يشبهه مضمونًا أيضًا. كلاهما كفيف، يعمل بالأزهر، وكلاهما —للغرابة— مولع بإصلاح الإلكترونيات! شهدت الشيخ إبراهيم بنفسي وهو يُصلح ساعة يده القديمة، يضع التروس والعقارب فتبدأ الساعة بالعمل.

أخذ الشيخ إبراهيم على عاتقه مسؤولية تحفيظنا —إخوتي وأنا— القرآن منذ وعيت على الدنيا، وكان بيته مفتوحًا لنا كبيتنا بالضبط.

كان مقر التحفيظ في المسجد المجاور لمنزلنا ”مسجد الهدى“، شهدنا تحوّل المسجد من مبنى صغير متهالك مفروش بالحصير غير مطليّ الحوائط، إلى آخر حديث له طابقان ومئذنة، مطليٌّ بالأبيض، وحوائطه مزخرفة بعمارة خشبية أشرف عليها تجار ونجارو المنطقة.

عمل الشيخ إبراهيم إمامًا وخطيبًا للمسجد لسنوات عدة، حتى ظهر في حارتنا شيخٌ آخر كُلِّف من وزارة الأوقاف لإقامة بعض الصلوات. كان ”الآخر“ شابًا ممتلئ الجسم، حليق الشارب، ذو لحية متوسطة الطول، يرتدي دومًا زي الأزهر.

فوجئنا ذات يوم بإغلاق مقر التحفيظ، واختفى الشيخ إبراهيم من الإمامة، وخطب ”الآخر“ خطبته الأولى. عرفنا لاحقًا أن ”الآخر“ كان يكتب تقارير يومية لأمن الدولة عن المسجد: نشاط التحفيظ، وشعبية الشيخ المتزايدة في المنطقة.

لم يكن الشيخ إبراهيم ذا ميول سياسية أبدًا، أقولها بمنتهى الثقة كوني أصبحت بعد ذلك ذا ميول سياسية. كان الرجل يخطب في الناس ويؤم المصلين ويحفّظ أبناء المنطقة، لا أكثر من ذلك. نقل الشيخ نشاطه لمسجد آخر بعيد عن حارتنا، يؤم المصلين ويُحفّظ القرآن، لكنه لم يعد للخطابة قبل مرور فترة.

كانت هذه نهاية علاقتي بمسجد الهدى، وبداية رؤيتي للظلم والقمع بشكل مباشر، فعرفت السياسة، وكرهت ذلك ”الآخر“… ومن يساندهم.

نظرية التعلّق عند بولبي ترى أن الطفل يحتاج إلى الأم كمصدر للأمان، وفي حالة فقدانها في السنوات الأولى الحساسة، يحاول الطفل تعويضها عبر التعلّق بشخصيات بديلة قريبة ومستمرة في حياته. غير أن الدراسات اللاحقة على تلك النظرية انتقدتها في إغفالها دورَ الأب.

يقول الطبيب الإنجليزي ”توبي إنغام“ إن غياب الأب في السنوات الأولى من حياة أطفاله، خصوصًا الذكور، من شأنه التأثير على غياب ”القدوة“ أو ”المثل“، فهو المخوَّل بهدايتهم نحو التطور والتعلم والنضج والاستعداد لمواجهة العالم.

أحيانًا، حين يواجه ابني معضلة ما، أجدني محتارًا في الرد؛ كثيرًا ما تُسعفني ذكريات أمي وطريقة تصرّفها، إلا أنني أواجه معضلة كبرى في إيجاد الإجابة لسؤال ”هما الأبهات كانوا هيعملوا ايه هنا؟“

تنقّلت بين ”قدوات“ عدة، أو لنقل ”Father figures“: أعمامي شاكر وكامل، وخالي إبراهيم، وأستاذ شاكر، والشيخ إبراهيم، وأبناء عمي، ومسؤولو المقرأة، وغيرهم. بين المعطاء والمتجاهل والطيب وضعيف الشخصية وطويل البال والعصبي. حتى إنني لجأت إلى الأفلام سعيًا للبحث عن إجابة مثالية.

أتنقل بين العوالم الحقيقية والخيالية، تارةً بين عالم كريس غاردنر في Pursuit of Happyness حين يوبّخ ابنه ثم يتراجع موجّهًا اللوم لنفسه في شخص ابنه الصغير:

”Don’t ever let somebody tell you… You can’t do something. Not even me. You got a dream… You gotta protect it. … If you want somethin’, go get it. Period.“

وبين عالم جيري كونلون في In the name of the father، حين حمل الابن إرث أبيه:

”I watched my father die in a British prison for something he didn’t do. And this government still says he’s guilty. I want to tell them that until my father is proved innocent, until all the people involved in this case are proved innocent, until the guilty ones are brought to justice, I will fight on. In the name of my father and of the truth!“.

لاحقًا، بعد الثورة، عاد الشيخ إبراهيم لمسجد الهدى، وصار ”الآخر“ أحد رموزها في دمياط، إذ كان يظهر في كل المناسبات بزيه الأزهري مع أحد القساوسة كنموذج للوحدة الوطنية المصرية بعد يناير. وهاجرت أنا.

أنظر إلى صورة أبي مرة ثانية وأفكّر: لا بد أن الحياة معه كانت ستصنع فارقًا.

لا أعرف الجواب الصحيح، ولا أظن أني سأعرفه. لكن كل ما أرجوه حين يكبر ابني ألا يأتي إليَّ كي يخبرني:

”Hossam, you fucked up“.

*سعي أبي المنفرد لتسجيل القرآن بصوته

ما تيسر من آل عمران – بصوت والدي الأستاذ محمد سرحان

ماتيسر من سورة النساء – بصوت أبي الأستاذ محمد سرحان

شارك هذا الـمقال