⁠العاشرة مساءً
٨٧٧ كلمة

هل حقًّا نبحث عن الدروس لنخفف الألم، أم أننا نخيط بها ثوبًا جديدًا لنتحمل العيش؟

الليلة خسرت صديقًا. تبدو تلك الجملة خالية من الحميمية. تبدو جملة بعيدة عني. أعتقد أن قلبي غربل الجملة من عدد سنوات صداقتنا، ألوانه المفضلة، نكاته السيئة وعدم قدرته على قراءة عدة صفحات دون أن يغفل بشكل تمثيلي على الطاولة. يمكن للأصدقاء كسر قلبك أيضًا. ليس هناك الكثير لأقوله. لقد خسرت صديقي!

طريقة تحضير ليلة خسارة الأصدقاء:

لا تحتاج إلى ورقة وقلم. كله منتال.

تقوم بمزج الكلمات التي أردت قولها ولم تفعل مع شريط الفلاشباك لذكرياتكم الجيدة التي لا تعوض مع وضع القليل من ”لقد أخطأت في توقعاتي، ممكن استعجلت، ربما تجاهلت إشارة واضحة“. ثم وضع المزيج في فرن رأسك لمدة لا تقل عن 4 ساعات.

عندما يرن جرس الفرن ستصل إلى ما نصل إليه جميعًا كبشر ”الدرس“ أو ”العبرة“ من الحكاية كلها.

من هنا يبدأ السؤال:

ماذا نصنع حين نعلن أن لكل قصة ذات نهاية سيئة درسًا؟

أهو سعي صادق إلى الحكمة والتعلم أم رغبة في إحكام فوضى لا نفهمها لا تُحتمل؟

الإنسان بطبيعته لا يطيق العشوائية، لذلك يزرع إشارات حيث لا إشارات ويرتب المصادفات كي لا يبدو العالم بلا حكمة كبرى.

يعيد في داخله صياغة الحدث ليصبح قابلًا للفهم؛ لأن الفهم يمنحنا التوازن. يقول نيتشه:

”من يعرف سببًا يعيش لأجله يستطيع تحمل العيش بأي طريقة“.

وأعتقد إنها عبارة رائعة لشرح هذا التماسك بين المعنى وقدرتنا على الاحتمال. حين نُعطي الألم سببًا تقل حدته، لأن العقل لا يرى نفسه ضحية خالصة وإنما شريكًا في تعلم ما أيًا ما كان.

مع ذلك ليست الدروس دواء واحدًا لكل الأوجاع. أحيانًا نفرط في تأويل ما لا يُحتمل تأويله فنختلق معنى مُسرعًا كي نهرب من مواجهة هذا الفراغ.

أحب أن أقتبس مقولة لآندي دوفرين في فيلم The Shawshank Redemption:

”الأمل شيءٌ جيّد، ربما أفضل الأشياء، ولا شيء جيّد يموت“

غير أن الأمل يحتاج وقتًا لينبت ويحتاج مساحة حقيقية وصادقة للحزن كي لا يتحول إلى قناع تختنق تحته. حين نسلخ الدرس من الحزن قبل نضجه نفقد فرصةَ أن نرى هذا الألم ”المشروع“ وهو يعلمنا حقيقة حدودنا وحتى كيف نتعامل معه!

طب نعمل إيه؟

نُصغي أوّلًا. هذا الجزء منك يتكلم حين نكف عن محاكمته. المعنى لا يأتي من مطاردة متشنجة ولكن من استعداد لترك الباب مواربًا. يتخفف القلب عندما يعترف أن الأمر مؤلم، ومن الاعتراف تولد مساءلة رقيقة:

ما الذي أشعر به الآن؟ أي علاقة تحتاج إعادة نظر؟ أي عادة لم تعد تهبني حياة تليق بي؟ كيف أتعامل مع إحساسي بالفقد؟ ليست هذه أسئلة بحث عن متهم وإنما بحث عن طريقة مختلفة للوجود وخلق ecosystem جديد.

أحيانًا نطلب الدرس كي نحمي ذواتنا من الشعور بالعبثية اللي في الحياة. في تلك الحالة يتحول المعنى إلى قارب مشروع للوصول إلى بر آمن ما دام لا يدعي امتلاك البحر. المعنى الحقيقي لا يلغي الواقعة لكنه يخفف وطأتها بمنحها إطارًا يُرى من خلاله شيء أكبر.

على الضفة الأخرى تغوينا البطولة الزائفة. نُعلق على صدورنا ”وسام الحكمة“ سريعًا وكأن الهدف أن نخرج من الألم بنقطة تُضاف إلى سجل الخبرة.

تلك العَجلة تُقصي هشاشتنا وتحول التعافي إلى سباق ”إنت الخسران لو فاكره سباق“. الحكايات العظيمة في الكتب والأفلام لا تُؤلّه السرعة. في Eat Pray Love مثلًا، لا يتجلّى ”الدرس“ في جملة قصيرة بل في أسفارٍ طويلة تتخلّلها مرات سقوط وصعود. المعنى هنا طريق يتشكل ببطء لا خطاب تحفيزي يكتمل في دقيقة.

ما الذي يحدث لهويتنا ونحن نبحث عن الدروس؟

غالبًا نعيد كتابة تعريفنا لأنفسنا على ضوء ما حدث. نغلق بابًا ليفتح آخر، نقول: لم أعد هذا الشخص الذي كان يرضى بأقل مما يستحق. أو العكس: لم أعد هذا الشخص السام في قصة أحدهم. من دون هذه القدرة على إعادة التعريف تظل الهوية سجنًا أنيقًا يُعيد تدوير الألم نفسه والأخطاء نفسها.

ومن دون مقدار من الرحمة يتحول الدرس إلى سوط يجلدنا بما كان يمكن أن نفعل ولم نفعل.

مهم أن نميز بين درسٍ يحرر ودرس يقيد. الأول يفتح خياراتٍ جديدة ويضيف للغة المشاعر مفردات لم تكن لدينا ويذكرنا بأننا نستحق حياة تتسع. الثاني يغذي الإحساس بالذنب ويفرض على القلب صمتًا قاسيًا ويجعلنا أسرى لسؤال واحد: كيف لم أتنبه؟ دي مش حكمة ده فخ. المعنى الأصيل يمد اليد والمعنى المزيف يضع الأغلال.

ربما تأتي اللحظة التي ندرك فيها أن الدرس الأعظم هو قبول محدوديتنا نفسها. ”الطريق يصنعه المشي عليه“، كما كتب أنطونيو ماتشادو، والمعنى يصنعه العبور لا التكهن من بعيد. نعبر ونتعثر ونتعلم ونُبقي مساحةً للغموض لأن الحياة أوسع من أي صيغة ثابتة نحتفظ بها.

لا حاجة إلى مشرط يشرح كل حادثة ويكفي ضوء صغير يقود خطوة تليها خطوة.

الليلة، الليلة التي بدأت بها الحكاية، لم أعثر على درس كامل الحقيقة. وجدت بالكاد كلمات قليلة تصلح كعكاز: اختاري ما يعيدك إلى نفسك واحمي سلامك من التأويل المفرط.

بعد عدة ساعات، لاح أن عقلي وألمي كانا يطالبانني بإعادة ترتيب بسيط: وقت أطول مع ذاتي وحدود أوضح مع ما يستنزفني وشجاعة صغيرة للتعبير عما أحتاج. لم تُحل كل الأشياء. غير أن المعنى تحرك من خانة الشعارات إلى خانة الفعل.

أحب عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة أن أنهي بسؤال مفتوح: ما رأيك؟ هل تبحث عن الدروس ليقل الألم؟ خد وقتك للتفكير والإجابة.

إجابتي: في مرات كثيرة نعم لأن المعنى يهبنا هواء نتنفسه حين تضيق الروح.

وتوجد حالات لا يحتاج فيها الألم إلى حكمة فورية بقدر حاجته إلى رعاية صادقة.

ما يصنع الفارق هو الإنصات إلى الإيقاع الداخلي: متى نتعلم كي نمضي ومتى نسكت كي يهدأ البحر؟

حين نحسن التمييز يتخفف القلب من الدوران حول ذاته، ويبدأ في المشي بخفة رحيمة كمن يعرف أن كل خطوة مهما بدت عادية تحمل في داخلها بذرة درس ينمو حين نوفر له الضوء.

شارك هذا الـمقال