في الأعوام الماضية اتفقت أنا وأصدقائي على أن نتقابل على الضفة المقابلة حيث العشب الأخضر، وضعت كل واحدة منا خطتها وبدأت التنفيذ، كانت خطتي تقفز سريعًا لسبب أجهله.
في بداية العام، ولأن السفن والرياح ليستا على وفاق تام، ولأن الأفلام تبدو مملة دون حبكة مفاجئة تغير مجرى الأحداث، ودعت الأصدقاء وبقيت أنا بجوار العشب الأصفر.
بعد تجاوز المحنة بوقت كافٍ للكتابة عنها، تحول أصدقائي من وجود وصخب إلى مربع صغير ذي خلفية بيضاء في أعلى الشاشة.
في منزل صديقتي بالإسكندرية، لا أتذكر كيف يبدو مطبخها أو أين تحتفظ بكوبها المفضل، ولكن في بيتها الصغير بألمانيا أستطيع أن أذكّرها بالمكان الذي وضعت فيه العصير منذ المكالمة الفائتة أو بأنه بقاله كتير في التلاجة.
أثني دائمًا على الطبق ذي نصف البطيخة المعلق على الجدار الأبيض. أعتقد أن الغربة لا تحتمل لونًا آخر للجدران غير الأبيض، فهناك حياة أخرى وتفاصيل جديدة لا تحتاج إلى زخم ديكورات الوطن.
أضفنا طريقة جديدة للتواصل: المكالمة أثناء الطبخ وتطبيق الغسيل والأكل والتسوق. لم أحتج يومًا إلى مشاركة أصدقائي هذه المهام لأنني أستطيع أن أراهم خلال دقائق فنحكي عن كل الأمور الكبيرة التي تستلزم اللقاء.
ولكن في غربتهم بدت هذه طريقة أفضل: أن يفعل كل منا شيئًا أثناء الحديث. هكذا تذوب الغربة والأمور الكبيرة بين الغسيل والأطباق.
أصبح لمشاركة الإنجازات أيضًا شكل مختلف. أتذكر كيف قضت صديقتي ليلتها الأولى، كنت معها في مربع صغير أعلى الشاشة أردد ”لا بأس“وأنا أعرف جيدًا كيف يبدو البأس.
أتذكر خطواتها الأولى في البلد الجديد، كيف اشترت أول مرتبة لها، كنت فخورة بها وكانت في المربع الصغير فخورة بي أيضًا عندما أخبرتها أنني عدت للعمل وسأحاول مجددًا.
الحياة لم تتوقف رغم كل شيء.
عندما أخبرت صديقتي الثانية بالأمر، وضعت الموبايل أمامها ورفعت يديها للكاميرا وصفقت في فخر. خلف يديها ظهرت أشجار كثيرة. بدا الأمر غريبًا وجميلًا، وبدت هي سعيدة أخيرًا.
في يوم أرسلت تسألني عن شيء تملكه: ”انتي فاكرة جبت البتاعة دي منين؟“، أخبرتها متى ومن أين جابتها وكيف وجدتها. ضحكنا وأخبرتني بعدم خوفها من الزهايمر لأنني أمتلك نسخة من حياتها.
هي أيضًا تحتفظ بنسخة مني، لا أظن أن أحدًا آخر يملك تفاصيلها.
في الخلفية البيضاء أيضًا ظهرت معالجتي السابقة، أتذكر وجهها وهي تخبرني أنها لن تستطيع تقديم الجلسات عن بعد أكثر من ذلك. أفهمها وأفتقدها، ومن وقت لآخر أتذكرها وأدعو لها وأتمنى أن أكون بمثل براعتها.
أذكر جيدًا كيف كان الصدق والرغبة في المساعدة ظاهرين في عينيها.
أثناء رحيل الأصدقاء تغيرت المدينة، اختفى صوت الترام وابتعد البحر أكثر، حتى الأماكن التي مررنا بها بدت غريبة. هل هذه هي طريقة المدينة في الحزن إذا هاجر الأصدقاء؟
بعد الثلاثين يبدو تكوين الأصدقاء صعبًا، ليس لندرتهم فقط، بل لأني أريد أصدقائي الذين شاهدوني وشاهدتهم يكبرون، الذين مشوا معي في شوارع ظننا أنها لنا ولن تتغير.
قضيت نصف عمري أركض وأسابق لأتجنب لحظات كهذه، ولكن يبدو أنه لأجل الحبكة يجب أن يتخلف أحدهم عن الركب ليصف كيف يبدو المشهد من الخلف، وأن يُطمئِن المتأخرين الجدد إلى أنه ”لا بأس“، وأنه لا داعيَ للركض المحموم.
أعرف جيدًا كيف أقول للمتأخرين الوحيدين ”لا بأس“..
أعرف كيف تبدو محاولات النهوض في شوارع مليئة بالذكريات وأحلام النجاة..
أعرف كل هذا..
وأشتاق لأصدقائي.