تشقيني الكتابة.. مراوغة.. ماكرة.. مستعصية.. وأنا ألهث وراءها، وأتساءل لماذا؟
في البدء كان سؤالي: لماذا كل هذه الصعوبة؟ هل هي نابعة من عدم وجود موهبة؟ أم أنها صعبة بالفعل؟
لكن الآن أصبح السؤال بكل جدية: لماذا الكتابة؟ لماذا أذهب إليها في كل مرة بكامل إرادتي وأنا أطلب منها الوصل.. أن تجودي فصليني!
الناي في مطلع الأغنية، وصوت أحمد منيب الشجيُّ والحزنُ الذي يتملكني عندما يبدأ في سؤاله الأبدي:
وفينك؟!
أستمع دائمًا إلى هذه الأغنية في ليالي افتقادي لوالدي. أفكر فيه كثيرًا في لحظات انكساري، أشعر أني بحاجة إلى شخص أكبر يرشدني إلى ما يجب عليَّ فعله، أو يخبرني أيَّ الطرق أسلك بناءً على خبرته بالحياة ومعرفته بي، أو يستمع إلى مخاوفي التي تصاحبني في كل مرة أشرف على البدء في شيء جديد.
الخوف الذي يصحبني في كل مراحل حياتي ويعشش في أنحاء روحي.
أشعر دائمًا أن مفهومي عن الأمان مشوَّه، لا يوفر عقلي صورةً أو تعريفًا واضحًا له. أربط الأمر دائمًا بفقداني لأبي في سن صغيرة، فقدي الأعظم الذي تؤول إليه جميع المشاكل. في الليالي التي يستحيل عليَّ فيها النوم يبدأ التفكير الزائد، وتعصف الحيرة بي، ولا يمكنني سوى الحنين إلى ذلك الأب الذي لا أعرفه ولا يعرفني.
في الحقيقة هو يعرف صورة لفتاة صغيرة لم تعد موجودة، أو دعنا نقول هو يعرف نسخةً توالت عليها التحديثات على مدار السنوات. العديد من التجارب والانكسارات والأحلام والآمال والإنجازات والعقبات، لم يكن حاضرًا ليراها ويشاركني إياها، وبالتالي لم يرَ بوضوح كيف تركت آثارها عليَّ.
لكنه يظل هو الشيء المفقود في حياتي الذي أبحث عنه باستمرار.. الأب، وما يمثله لي.
الشخص الراشد الذي لديه من الخبرة والمعرفة ما يمكّنه من إرشادي دون السطو على رأيي، وتربيتي وتهذيبي دون قمعي، وطمأنتي في الليالي شديدة السواد التي اعتدت أن أقضيها بمفردي، أو برفقة صوته البديل المتخيَّل، لأني لم أعد أتذكر صوته الحقيقي.. صوت الحاج أحمد منيب.
كثيرًا ما أتخيل أن صوت منيب هو صوت أبي!
رحل أبي وأنا صغيرة ابنة الخمس سنوات، وكل ما لديَّ هو بعض صوره التي تحمل ضحكته من زاوية واحدة، لذلك لا أتذكر تفاصيل وجهه عندما يبتسم أو نبرة صوته!
هل كانت عيناه تنغمضان ويرجع رأسه للوراء بشكل تلقائي عندما يضحك مثلما أفعل؟
أم كانت ضحكته هادئة وبسيطة مثل الصور؟
فقدت مع ما فقدت حضنه، لم أعد أتذكر إحساسي بين أضلعه ولا ماذا يعني أن يربت أبي على كتفي ليطمئنني!
من هنا بدأ بحثي عن شيخ أو مُعلم يكون لي مرشدًا وناصحًا أمينًا، يمكنني مشاركته مخاوفي دون الخوف من أن يحكم عليَّ، أو أن يكون هناك قمع أو توجيه متعمد نحو اتجاه ما عليَّ سلكه دون رغبة مني..
لكن ما حدث كان العكس، وهو الوقوع في الكثير من المعلمين الذين يبحثون عن وعاء يدلقون فيه أفكارهم دون أي رغبة حقيقية في المساندة أو التعلم أو تقديم مساحة صادقة قائمة على الأمان والمشاركة ومحاولات الفهم.
ما يصيبني بالإحباط، ويستمر الفراغ والخواء، وتصبح محاولات البحث عن مرشد أمرًا شاقًا أكثر. أذهب لدفتري فأجدني في حيرة من أمري.. عن ماذا أبحث؟ لا أعلم. ما الذي أحتاجه؟ ما الذي ينقصني بالفعل؟
هناك فقد مؤلم ومؤرق ينهش أحشائي، وأنا لم أعد قادرة على تمييزه والتعامل معه.
ولم أعد أعلم هل مصدره الفراغ الذي أحدثه فقدان أبي في سن صغيرة، أم حاجتي إلى الإرشاد؟ أم أن المشكلة أنني أتقدم في العمر وما زلت لا أعلم ماذا يجب أن أفعل؟ أيَّ طريق أسلك؟ أبحث عن أب أم مُعلم؟
أشعر بالفزع الشديد في هذه اللحظة، وأنا أدرك أن الفراغ الذي تركه أبي أثَّر على حياتي كلها ورافقني وقتًا طويلًا، ولا يمكنني التعامل معه على الرغم من كل محاولاتي. كأن فقده ثقب أسود يمتص أيَّ إنجاز أو نشاط أو أيَّ شيء أقوم به، ويحوّله إلى عدم لا قيمة له ولا وزن.. لا شيء.
لذلك، على الرغم من كل المحاولات والأنشطة التي أقوم بها، لا أشعر بأن هناك شيئًا قمتُ به!
تتحول الكتابة من فعل تعبير إلى فعل كاشف، أفهم منه علاقة الأشياء ببعضها، العلةَ والسبب! أحاول تفسير الأمر على أنه تقليلٌ من الإنجازات نابعٌ من عدم الثقة في النفس، ولكن في حقيقة الأمر هو أبعد من ذلك؛ هو فراغ وجداني لا يمكنني التعامل معه، ويحوّل أيَّ شيء وكلَّ فعل إلى لا شيء، لأنه ليس الشيء الذي سيملأه، وأن فقده هو سبب صعوبة إيجاد مُعلم!
أقرأ في مذكراتي السابقة، فأجدني أصف نفس الشعور في أوقات مختلفة سابقة، ليس هناك حل ولا توجد إجابة!
هنا تتحول الكتابة إلى دليل إدانة بأن هذه التوهة أبدية، ولا أعلم متى تنتهي!
خطوة إلى الخلف، أنظر إلى ما كتبت على مدار السنين. للحظة رأيت أن ما فقدته هو عقلي أو قدرتي على التفكير باستقلالٍ بعيدًا عن الفقد وبعيدًا عن العقاب والتخويف من التجربة في حد ذاتها، وأن ما أبحث عنه ليس شخصًا آخر، ولكنه أنا.
عقلي أنا وقدرتي أنا على التفكير، وليس شخصًا آخر ليرشدني إلى الطريق، ولكن بوصلتي الداخلية هي التي ستساعدني على الوصول إلى البيت بمفردي دون أن أنتظر أحدًا ليرشدني.. ولم يكن هناك في هذه اللحظة سواها.
في البدء كانت الكتابة صديقتي الطيبة التي تتذكر حكاياتي بلا ملل أو أحكام، تسمع بكل محبة وإخلاص، ولكنها أيضًا تجعلني أرى بكل وضوح!
لا تملي عليَّ ما أقوم به ولا كيف أفكر، ولا تسألني لماذا هذه الفكرة وليست غيرها. تطاوعني، وتمشي معي في الطريق، وتتركني لاستنتاجاتي دون أن تحجر عليَّ أو ترغمني عليها.
في كل مرة أعود إليها مهما كانت حالتي.. تعطيني حضنها من جديد.