الثانية ظهرًا
١٣٢٦ كلمة

يسألني طبيبي النفسي بلُطف: هل يُمكنك أن تُعبر عن طفولتك مع والدك بواسطة حاجز لغوي، مثل تشبيه أو مجاز؟ يُمكننا أن نُسميها مُناورة، نلتف حول المبنى ونُطل عبر النافذة لنصف ما نستطيع؟ بدلًا من اقتحام الباب والدخول، عبر مُصارحة لست مُستعدًا لها بعد.

ظننت أن عقلي سيلجأ لمجازات الأدب من أجل الإجابة، بما أن الكتابة مهنتي، لكن قفز في رأسي بدلًا من ذلك، مشهدٌ من وثائقي طبي رأيته منذ سنوات. يقوم فيه طبيب طوارئ خلال كارثة طبيعية بإجراء فرز سريع للمُصابين.

خلال الحروب والكوارث، لا يمتلك أطباء الإغاثة وقتًا كافيًا للعناية بكل مريض على حدة، يقوم الطبيب القائد بفرز سري، وسريع، يضع شارة حمراءحول بعض المرضى، وأخرى صفراء، وأخرى خضراء، وأحيانًا سوداء.

يأتي الأطباء بعده ويفهمون عبر الألوان ما يجب فعله بسرعة، اللون الأحمر يُشير لأشخاص يحتاجون تدخلًا عاجلًا خلال الدقيقة القادمة من أجل النجاة، اللون الأصفر يُشير لحالات مُستقرة الآن، ولكن يُمكنها أن تتدهور خلال بُرهة. أما الأسود فيُشير إلى حالات ميئوس منها، إصابة تمكنت من صاحبها، حتى لو كان واعيًا، حتى لو يتوسل من أجل مُساعدته، لن يُمكننا إنقاذه.

لذلك يتركه الأطباء ولا يُهدرون دقيقة حتى في مداواته.

ترتيب أولويات آلي وقاسٍ، يجعل الطبيب للحظات مثل ملاك إغاثة، وأيضًا ملاك موت، إله بارد لا يملك حتى وقتًا لشرح مشيئته، لكن هذا ما يُمكن لفرد واحد فعله في قلب كارثة، وسط عشرات الأرواح تعلق أبصارها عليه وتتوسل الإنقاذ.

لماذا تذكرت ذلك المشهد الآن؟

ربما لأن كل طفل يقوم بعملية فرز مُشابهة، الفرق فقط أنه الطبيب والمُصاب في آن واحد، وأن الكارثة ليست فيضانًا أو إعصارًا، ليست إلا إخفاقًا في لغة الحُب مع أحد الأبوين!

كل طفل منذ ميلاده، مُحترف نجاة، يخرج من رحم مُظلم وسباحة آمنة في سائل أمنيوسي يمنحه الحياة دون شروط أو كلام، إلى عالم صاخب، عليه فيه الصراخ كل لحظة ليثبت أنه حي ويحتاج إنقاذ.

نحن نقاتل من اللحظة الأولى كي نُرى، كي ننجو.

لا ينتبه آباؤنا كثيرًا لقتالنا ولا هوسنا بالنجاة لأنهم يُقاتلون العالم نيابة عنا، يحموننا من كل ما هو بالخارج، لكننا في طفولتنا لا نعرف ما هو العالم بالخارج، لا نعرف سوى الشريان الرابط بالأب والأم، آلهة عالمنا، ومُقدمي الرعاية فيه.

هم يقاتلون أشباحًا لا نعرفها، ونحن نُقاتل لأجل حُبهم، لأن توقف حُبهم ورعايتهم ولو للحظة أو غيابها، يعني الهلاك، لأننا لن ننجو بمُفردنا أبدًا.

كان رضا أبي وبقاؤه في المشهد أمامي، مشروطًا بأشياء كثيرة، مما جعلني أضع شارات حمراء حول أخطار غرائبية مثل درجاتي الدراسية، وعجزي الدائم عن التفوق في الرياضيات، المادة التي يُدرسها أبي للمفارقة للآخرين ويقبض مرتبه ويُنفق على أسرته لبراعته فيها.

أضع شارة حمراء كذلك حول كل مرة تنفجر فيها حماستي، كل مرة آمل فيها عناقًا، أعبر فيها عن حُبي أو أطلب طمأنة.

لا يرتاح أبي كثيرًا لبذل مشاعر حميمية، ينسل من الحجرة مثل شبح، رأى للحظات قاتله. كل فيوض المشاعر وعفويتها، إصابات خطيرة، تؤدي إلى غياب مؤقت للأب، وبقائي ولو للحظات وحيدًا في مواجهة عالم لا أفهمه، وأب ينفر حتى من احتضان يدي والسير معي فيه.

أنجح بصعوبة في اختبار الرياضيات، وبامتياز في كبت مشاعر شتى، أجعل وجودي محدودًا، على هامش الأشياء، طمعًا في أن يبقى المشهد كما هو.

كل الأطفال تطمح إلى غزو العالم وقتل التنانين الخيالية والفوز بالمُباريات والمعارك، وأنا منذ طفولتي لم أطمح لشيء قدر ألا يحدث شيء، أن يبقى الوضع كما هو.

أن يهدأ قليلًا قلقي من أن لحظة عفوية واحدة، قد تؤجج في أبي قلقًا يدفعه لمُحاكمتي… أو مُغادرتي. أضع شارة صفراء حول براكين مشاعر بداخلي تتوق إلى الخروج، تلك إصابات يُمكن تحملها، لا تحتاج إلى علاج الآن. للمفارقة تهدأ تلك البراكين بعد وقت، تنطفئ ثورتها، ولا تشتعل أبدًا.

أظن أنني طبيب جيد، وأمتلك مزيدًا من الوقت لمخاطر الشارات الحمراء. لا أعلم أبدًا أن هدوء تلك البراكين يعني أنني خسرت إلى الأبد أجزاءً من ذاتي الحقيقية، أجزاء أصيلة لن تعود أبدًا. ظلت تصرخ من أجل الحضور حتى ذبلت.

يقول أحد خُبراء علم نفس الطفولة: ”عندما لا يحظى الأطفال بالحماية، لا يشعرون فقط بانعدام مُزمن للأمان، الأكثر روعًا هو اعتقادهم منذ تلك اللحظة بأن الأمان شيء يجب عليهم هم اكتسابه“.

طفولتي جعلتني طبيب طوارئ ماهر، قادر على تحديد أولوياته ببرودة آلية، يعرف أين يضع الشارات الحمراء على إصاباته العاجلة، ومتى تصير كل مشاعره الحقيقية والمُتمناة مؤجلة ومُكللة بشارة صفراء.

تمر الكارثة بسلام، ثم تكبر وتُدرك أن الكارثة لم تكن سوى طفل يحترف النجاة، يُقايض حقيقة ما يشعر به كل لحظة من أجل اكتساب أمان ظنه بديهيًّا، طفل يتنصل من مشاعر لم يمتلك لغة ليسأل عن خطورتها أو أهميتها، كي يتخلى عنها، ويقمع براكينها. ومعها حقيقته.

في الفرز الطبي بالوثائقي الذي شاهدته، توجد الشارة الخضراء، وهي مُخصصة لمُصابين تم علاجهم من المخاطر العاجلة، هؤلاء يُمكنهم الخروج والسير في العالم، ولكن يُشدد الأطباء أنهم يحتاجون في وقت ما مُستقبلًا، لمواجهة الجروح التي لم يمتلكوا وقتًا لعلاجها، يمنحهم الأطباء اسمًا شعريًّا وهو Walking Wounded الجرحى السائرون.

أعلم الآن في ثلاثينياتي، أنني واحد من هؤلاء، أجلس أمام طبيب نفسي حاذق في عيادة أنيقة، نجوت بمهارة طفولية، من جروح قديمة، فعلت ما توجب عليَّ فعله، كي أنجو من غياب أبي. فعلت ما توجب عليَّ فعله كي أنتزع الأمان بإلغاء ذاتي الحقيقية في حضوره لأن أمانه لن يُمنح لي دون قيد أو شرط.

والآن عليَّ مُداواة كل البراكين التي أخمدتها، كل الجروح المؤجلة التي أسير بها في العالم.

نجحت في عبور كل اختبارات الرياضيات الدراسية، لكنني الآن أواجه إخفاقًا لغويًّا مُروعًا في لغة الحُب مع العالم، لغة أتمسك فيها بمُفردة ”الأمان“ وأرفض تعلم أي كلمات أخرى قد أنفتح بها بجروحي وحقيقتي على الآخرين.

يسألني طبيبي: ما الشارة التي تضعها الآن؟

أتذكر في الوثائقي، رجلًا يبتسم رغم إصابته، يربت بيده على جروحه، ويُطمئن رفيقًا بجواره، لكنه لا يرى الشارة السوداء الخفية التي وضعها الطبيب فوق رأسه. أشعر أنني أضع شارة سوداء، أساعد وأنقذ آخرين، بينما أنا حالة ميئوس منها، أبدو مُعافى ولكن يفيض نزيف بداخلي، يقربني ببطء من هلاكي.

هل أضع حقًّا شارة سوداء؟

في الوثائقي، لا يرى المُصابون تلك الشارات التي تتنبأ بمصيرهم، يراها فقط الأطباء من حولهم. أول من نبهني لشارتي السوداء كانت حبيبتي السابقة، عندما أخبرتني عن عُقدة المُنقذ بداخلي.

بداخلي بطل خارق بحرملة سوداء، يُكافح لإنقاذ الآخرين رغم يقينه بهلاكه.

أخبرتها مازحًا أنني أحب باتمان أكثر من أي بطل خارق، رجل جريح، وجرحه في طفولته لأنه ظن أن رحيل أبويه نتيجة غلطة ارتكبها أو بطولة لم يقم بها، رغم أنه كان طفلًا وحسب، لذلك ينقذ بروس واين العالم في المساء ويعود وحيدًا لكهفه في الصباح. لا ينكشف أبدًا بجروحه لإنسان.

يُخرجني الطبيب من هواجسي ويسألني: أي شارة تطمح لها مستقبلًا؟

أخبره أن اللون المثالي في مشهد الوثائقي كان الأبيض، تعني الشارة البيضاء أن المُصاب أخيرًا باتت إصابته طفيفة، يُمكنه رعايتها بنفسه، لا يحتاج رعاية طبيب ولا مشفى. يُمكنه السير بأمان في العالم وجرحه سيبرأ من تلقاء نفسه. لأنه نال الرعاية والتطهير الكافي.

يُخبرني طبيبي أن الشارة البيضاء، تعني في كل مجازات الأدب والواقع، الاستسلام، راية نرفعها عندما نُدرك أننا مُحاصرون، راية ظاهرها الاستسلام وباطنها القبول. قبول أننا لا يسعنا النجاة، بإرادتنا، بمُفردنا، بأمانينا، بتجاهلنا للبراكين داخلنا، وكل نزيف نُكذب وجوده لأننا لا نرى دماءً حولنا.

أخبر طبيبي بعناد أنني مُحترف بالنجاة، أفعل ما يتوجب عليَّ فعله، وأنجو دائمًا، لكنني دومًا أفعلها وحيدًا. تكمن صعوبة اللون الأبيض فقط في تقبل، أنني يُمكنني أن أنجو بمُساعدة أحدهم. أو بالانكشاف لأحدهم.

يخبرني أنني أختبئ الآن خلف حيلة دفاعية تُسمى البلاغة، أختبئ خلف الاقتباسات والمجازات والكتابة، أنني اخترت منذ البداية مجازًا لكارثة لا يُمكن للطبيب أن يتوقف فيها لحظة، ليُصارح المريض بلون شارته، ومصيره. طبيب قاسٍ، يختار مصيرنا ولون شارتنا ولا يُخبرنا حتى به. طبيب يُشبه في كل ذكرياتي وجه أبي.

يقول سارتر:

”كل ما نقوله في هذا العالم، جذوره مناقشة خفية بين الطفل الذي كناه، والذي كنا نطمح أن نكونه“.

يبتسم طبيبي لأنني لجأت للاقتباسات مُجددًا، يراني متمترسًا خلف حصون البلاغة، مُعلنًا الحرب على كل اقتحام أو مكاشفة، يقطع صفحة بيضاء من دفتره، تبدو مثل راية بيضاء، يطويها ويصل بين طرفيها فتتحول إلى شارة طبية مُرتجلة، شارة بيضاء يمنحني إياها ويبتسم، ثم يقول: الشارة موجودة، عليك فقط أن تقرر متى ستكون مُستعدًا لوضعها؟

ينتهي موعد الجلسة، أخلع عن ذراعي شارات خيالية، شارة حمراء دامت طويلًا، شارة صفراء أجلت جروحها كثيرًا، شارة سوداء تراجيدية، تجعلني باتمان خارقًا لكن هالكًا، وأكتب في مذكراتي:

مُتعافٍ بعد معركة، النصر فيها أن نمتلك الشجاعة كي نرفع راية بيضاء.

شارك