⁠العاشرة مساءً
٨٢٥ كلمة

مذكراتي العزيزة..
ها قد جاء يوم جديد من أيام الأسبوع في العمل.

كنت أقف كعادتي في السادسة والربع صباحًا أنتظر عم سليمان سائق الحافلة. كنت أول من يستقل الباص، وأحمد الله على ذلك؛ حيث أجلس في المقعد المفرد الوحيد بجانب النافذة كي لا أضطر إلى مشاركة شخص ثرثار في مقعد مزدوج…

كانت مدام نهاية إحدى تلك الشخصيات؛ حيث كانت اسمًا على مسمّى. ما إن تراني أستقل الحافلة حتى تأتي وتجلس في الكرسي المزدوج بجانبي، وتستهل كل أنواع الأحاديث من أخبار البشر إلى أحوال البلاد، مرورًا بحياتها الشخصية ومشكلات أبنائها وعلاقتها بزوجها الذي هددها مرارًا بأن يتزوج عليها.

نظرت إليها ذات مرة نظرة استياء علّها تفهم أن لا شأن لي بتلك الأمور، ولكن هيهات أن أوقفها!
تتحدث بلا توقف وبحركات جسد وأصوات مخيفة، لأجد نفسي أود أن أقول لها:

إنه لا شك يريد الزواج بغيرك!

كان لطف الله دائمًا أعظم؛ حيث إنها مؤخرًا انتقلت من مكان مسكنها واستقلت حافلة أخرى لاختلاف خط السير…

لم تكن مدام نهاية هي أكبر مشكلاتي، بل أولها؛ حيث ينتظرني في مكان العمل الكثير من أمثال النهايات الحزينة الذين يخوضون في كل شؤون الحياة الشخصية والعامة…

لا أعلم ما بالهم جميعًا!

ما الفائدة من مشاركة أمور حياتي وآرائي وأحلامي على الملأ؟ ومن أين لهم بكل تلك الطاقة التي تُستحدث من العدم؟! لا بد أنه فول عم صلاح، إفطارهم اليومي.

كنت أنا المنبوذة دومًا من بينهم؛ حيث لا أشارك ولا أخوض وأكتفي بالسمع. كانوا يتجنبون الكلام أمامي ظنًّا منهم أني ”العصفورة“ كما علمت من إحدى العاملات…

وهو لقب أطلقه عليّ أستاذ ”نبوي“، هذا الرجل الذي يشبه في طريقته وإثارته للمشكلات بين الزملاء ونقله لما يسمعه السيدة العجوز التي يبغضها كل جيرانها لطول لسانها وافتعالها لأمور لا حد لها…

يا إلهي! كنت كمن يعيش أسوأ كابوس يتكرر بشكل يومي في عالم أعتبره غير حقيقي مقارنة بعالمي الذي أعيشه، والذي يملؤه الهدوء والسكينة ومزيج من الألفة والحب مع شريكٍ لا يغالي ولا يبالغ ولا يفتعل، فقط يشعر ويتجاوز ويحلم…

..

كان ذلك صباحًا مختلفًا.

-صباح الخير يا عم سليمان…
=صباح الفل يا أستاذة ليلى…

ترددت قليلًا في الدخول حين وجدته جالسًا في مقعدي!

نظرت إلى عم سليمان متسائلة كيف له أن يتركه يجلس في مقعد ظل لي أكثر من ثلاث سنوات؟!

ما الذي يجب عليّ فعله الآن؟ هل أطلب منه التنحي؟ ولكن بأي حق! إنه مقعد الحافلة وليس مقعد ”ليلى“، إرثها من الشركة!

كنت أنظر إليه وتدور في رأسي كل تلك الأسئلة، وما إن نظر إليّ حتى ابتلعت ريقي واتجهت بسرعة إلى أقصى كرسي في نهاية الحافلة!

لم يكن ينقصني إلا ذلك الشخص أيضًا ليعكر صفو حياتي…

علمت لاحقًا أنه زميل جديد انضم إلى حافلتنا. كان الجميع يعرفه، وكان هو يحادثهم جميعًا بحميمية واضحة وبشاشة وجه. كان محبوبًا جدًّا لما يتمتع به من تلقائية وروح اجتماعية وحس فكاهة…

استمر ذلك الوضع لمدة أسبوع كامل، ليصبح يومي قاسيًا منذ بدايته. ناهيك عن أن مقاعد الحافلة الأخيرة تُخصص لمجموعة من الزملاء الذين لا يكفون عن الضحك وإلقاء نكات لا صلة لها بالفكاهة.

”تفاهة“، كان ذلك دومًا تعليقي الذي لم أفصح عنه، وأكتفي برفع صوت سماعات أذني وشرودي في الطريق عبر النافذة، حتى تكتظ الشوارع بمرتاديها فأملّ وأهفو إلى الحديث معكِ…
شعرت بظلٍّ يقع على وجهي، فترددت في النظر إلى مصدره.
كانت نبضات قلبي تتسارع حتى سمعت صوته:

-صباح الخير يا آنسة ليلى، أنا عرفت من الزملا إن حضرتك بتحبي تقعدي عالكرسي اللي في أول الأوتوبيس، أنا سيبتهولك وبعتذرلك، هو دلوقتي بتاعك علطول..

قالها وجلس في المقعد المزدوج على يميني، تاركًا في نفسي أثرًا لا أعلم ماهيته، وكأن إعصارًا بداخلي مركز قوته في قلبي!

ما هذا الصوت؟ وما أجمل رائحته وابتسامته أيضًا!
هل ألتفت لأشكره أم أبقى ساكنة في مكاني علّه يفتح مجالًا لحديث جديد بصوته العذب؟

قاطعتني نفسي:
-ليلى! إحنا هنخيب ولا إيه؟!

ابتلعت ريقي ورمقته بنظرة سريعة دون كلمة، ومضيت إلى مقعدي كمن عاد لحضن أمه.

كنت أخفض صوت سماعات أذني حين أسمعه يشرع في حديثه الصباحي مع باقي الزملاء… كم كان يضحكني!

لكن لماذا كان يتجنبني؟ لا بد أنه لاحظ حبي لعزلتي!

أو أن الزملاء قد أخبروه بأني شخص يكره البشر، أو لا بد أنه هو من أحس بذلك حين لم أشكره… يا لوقاحتي!

لم يفت الوقت بعد؛ قد أحاول ألا أستثنيه غدًا من تحية الصباح، أو لعلي ألقي أنا التحية بوجه عام ليتفهم أنه المقصود. قليلٌ من التلميح غدًا لا بأس به…

انتظرت بشوق اللحظة التي يقابلني فيها بابتسامته وإيماءة رأسه لألقي عليه تحية الصباح كما خططت…

وما إن اعتليت الحافلة حتى وجدته بكامل وسامته وبشاشته، ولكن بجوار زميلتنا ”نرجس“، تلك الفتاة المغالية في اهتمامها بتفاصيل زينتها حتى إني كدت أنسى أصل ملامحها!

كان يُلقي عليها نكاتٍ ليضحكها، وكانت تفتعل ضحكاتها وإيماءاتها… كنت أقف شاردة فيهما أتخيل أنني كنت سأجلس مكانها لولا ترددي! كان قلبي يبكي على نغمات ضحكاتهما حتى قاطع شرودي صوته الذي لمس كياني:

-صباح الخير يا آنسة ليلى!

نظرت إلى ابتسامته التي خطفتني مرارًا؛ لم تُحدث الأثر ذاته في نفسي. تجاهلته تمامًا وجلست في مقعدي واضعة سماعات أذني الكبيرة، لأنخرط مجددًا في عالمي الذي كدت أضلّه، فإذا بدمعة تهرب من أسرها، ويرتفع معها صوت الأغنية:

”ساعات أتوه مرّات ألقى القمر هدّى“

شارك