⁠العاشرة مساءً
٥٠٨ كلمة

من حوالي أربع شهور اتعرفت على ست عجوزة بتيجي هي وكلبتها الحديقة اللي بروح أقعد فيها كل يوم الصبح شوية.

مهتم أوضح هنا نقطة تهمني جدًا، وهي أن كلبتها مش اجتماعية على الإطلاق، ومبتحبش الناس، لكنها لسبب ما بتحبني فعلًا، وبتيجي تقعد جنبي أطبطب عليها.

تحوّل الموضوع مع الوقت إلى نوع من الروتين الذي تجده عند زملاء العمل. الست تيجي ومعاها الكلبة العملاقة، تقعد على البنش، والكلبة تلف وتيجي جنبي أطبطب عليها، ونقعد إحنا التلاتة نتشّمس.

دون كلام ولا وجع دماغ. ثلاثة كائنات حية تحت الشمس.

مرة معايا كتاب ترمي عينها عليه سريعًا، مرة معاها كتاب أرمي عيني عليه، مرة معايا قهوة، مرة معاها قهوة، مرة بتتكلم في التليفون مع بنتها، مرة أنا بتكلم في التليفون مع أمي.

وهكذا… حياة هادئة جميلة لا يعكر صفوها إلا ما يعكر صفو الجالسين تحت الشمس، وهو أن الشمس تغيب.

ثم حدث ذات مرة، وكانت إرادة الرب، أن سألتني: «هو أنت اسمك إيه؟» هكذا دون سياق. قدر.

قلت لها: «أحمد». قالت لي: «أخمد». قلت لها: «صح». قالت لي: «لا، أنت ابتسمت. هو أنا نطقت اسمك غلط؟»

قلت لها: «لا، عادي». قالت لي: «قولي النطق الصح». قلت لها: «أحمد». قالت لي: «آخماد». قلت لها: «صح». قالت لي: «لا، أنت ابتسمت تاني».

والله ما كنت ابتسمت ولا اتنيلت. قلت لها: «والله العظيم صح». لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

قالت لي: «لا، قولي النطق الصح». قلت لها: «أحمد». قالت لي: «إخماد». حسيت أننا بنبعد.

فقلت لها: «بصي، صدقيني مش مشكلة». قالت لي: «لا، مشكلة طبعًا. أنا اسمي آن». قلت لها: «أهلًا وسهلًا يا آن». قالت لي: «شفت؟ أنت نطقت اسمي صح. لازم أنطق اسمك صح».

بصّيت للكلبة وحاولت أقولها تنقذني بأي شكل. لكن الكلبة على ما يبدو كانت غير مهتمة.

هكذا استحال صفو حياتي إلى جحيم. كل يوم، ولمدة تلات أسابيع دلوقتي، بنتقابل في درس فوناتكس. وأنا مش عارف أعمل إيه.

قلت لها آخر مرة: «بصي، إيه رأيك في جمال؟» قالت لي: «جمال». قلت لها: «الله ينور. هو دا اسمي». قالت لي: «بس أنت اسمك أحمد».

قلت لها: «لا، ما أنا مقلتلكيش. أصحابي بيقولولي جمال. محدش بيقولي أحمد». بصت لي بشك وقالت لي: «أنت بتكدب عليا».

قلت لها: «بصراحة، بكدب عليكي. ناس منهم بيقولولي أحمد، وناس بيقولولي جمال. بس إحنا ممكن نتجاهل كل دا ونرجع نقعد نتشمس من غير ما نتكلم». لكن يبدو أنه فات الأوان على أحلام الصبا هذه.

وهكذا… أستيقظ كل يوم، ألبس هدومي، وأروح أشتري القهوة عشان أفوّق، وأروح أقعد في الحديقة.

تيجي المرأة العجوز البيضاء التي تشعر بالذنب لأنها بتنطق اسمي غلط، ولأن قاموسها اللفظي لا يتضمن حرف الحاء، ولأن الظروف في العالم مخبولة، وهي بتحاول تقولي إنها مش بتكرهني من خلال محاولة نطق اسمي بشكل صحيح.

وأنا مقدر والله. بس مرهق. ومش قادر أتعامل مع مشاعر ذنب أكثر من كدا.

أطبطب على الكلبة العملاقة، وأقولها «أنقذيني» بالعربي. لكن الكلبة تتجاهلني تمامًا، لأنها لا تفهم اللغة العربية غالبًا، ولأنها عجوزة هي كمان ولا تهتم إلا بأن تأخذ مني كل طبطبة ممكنة.

تقعد المرأة العجوز جنبي على البنش، وتقولي: «صباح الخير يا آخمد». أقولها «صباح الزفت» بالعربي، و«صباح النور» بالإنجليزي. تضحك الست وتقولي: «يلا قولي قد إيه قربت من النطق الصحيح لاسمك»، في رحلة عبثية جديدة.

شارك