بقالي ست شهور بحاول أحط إيدي، بشكل حقيقي، على اللحظة اللي الأب بيقع فيها في حب ولاده.
مش متخيّل إنها بتحصل أول ما بيتولدوا، زي ما الدراما بتحب تقول. ساعتها بتبقى فيه مشاعر جديدة بتتحط في القاموس آه، بس مش بتترجم للحب بشكله المألوف.
في محاولات لمنطقة كل اللي بيحصل، بقعد كل يوم بالليل أحاول أعنون مشاعري، أحطها في إطار واضح، بحيث إن الأحداث الكتيرة متخليش التجربة تتسرسب من بين إيديا.
أهمية ده بالنسبة لي، إنه غالبًا هيرضي فضولي تجاه أسئلة عمري ما كان عندي لها إجابة:
ليه أهالي كتير بيفضلوا يحبوا ولادهم حتى وهم كارهين أفعالهم؟
طول عمري شايف ارتباط وثيق بين الحب وأفعال/شخصية المحبوب. يمكن عشان كده ما وقعتش في حب توكسيك بمعناه المتعارف عليه. وبعرف أفرق طول الوقت بين الحب والعلاقة.
أعتقد إني استمريت في علاقات مؤذية وسيئة كتير في حياتي بسبب مشاكل عندي، ودائمًا عندي أسبابي، أو دائمًا بمنطق لنفسي أسبابي.. بس الحب نفسه؟ مكانش بيستمر. حتى لو أنا فضلت موجود.
بالتبعية، لطالما اعتقدت، أن ربما هذا هو ما يحدث مع الأهل! بيستمروا في العلاقة رغم إن الحب اتسرسب منها، ومخبيش عليكم، فكرت كتير إن ما يمكن، يمكن يعني، بيبقوا كلهم شايفين الملك عريان، وكل واحد خايف إنه هو بس اللي يكون شايف فبيسكت! وبيكمل مسرحية الحب غير المشروط اللي شغالة دي!
في وسط تجربتي لتسمية المشاعر، اكتشفت إني بستعمل كلمة ”الحب“ بشكل مجرد.
يعني إيه بحب إنسان؟
إيه هو الحب كمشاعر واللي بيصحبه من دفا وحنان؟
التصور بتاعي عن دفا الحب إنك تفتح عينيك وسط النوم، تلاقي حبيبك جنبك، فتلزق فيه.
والحنان اللي بيدوب قلب قاسي، ويخليك محتاج تحضن المحبوب في لحظات بكائه أو ضعفه.
وقلبك يلين حتى لو عقلك فيه بركان تجاهه.
ولا الحب كرابط؟
”أنا اللي منك وأنت مني“، شهادة الطرفين على حياة بعضهم، كما لو كانت حياة واحدة، وما يتبعه بالرغبة في المشاركة، مشاركة في التفاصيل الصغيرة والكبيرة، الصور والسفريات والتجارب في العموم.
ولا الحب كتعهد والتزام؟
أنا هضحي، أنا هحمي، وأنا هوفر.
ولا الحب كإعادة تأسيس هوية المرء؟
اللي بيحولك من إنسان حر، بشكل أو بآخر، لمثلاً، أب، حاسس إنه أب الطفل/المراهق/الراجل ده، بكل وجدانه. حاسس بيها in his bones زي ما بتتقال بالإنجليزي كده.
ولا الحب كمعنى؟
إنك تكون متقبل، وأحيانًا مقبل، على قصة حياة جديدة، بيعيد المحبوب فيها ترتيب الحياة بشكل هيخليك تفقد نفسك الحالية، اللي متعود عليها وربما حاببها، وتختفي أو تبقى رقم اتنين في حياتك أنت، في سبيل إن حياتك تبقى ليها دلالة.. ليها سبب.
في العلاقات الإنسانية، أعتقد أن المرء يمر مع أحبابه وأصدقائه بالحب كمشاعر، قبل ما يكلف نفسه بالحب كتعهد والتزام. ده التسلسل الطبيعي اللي بنكبر وبنحب بيه بنسبة كبيرة.
المربك إن الحب الأبوي بيبدأ بالعكس، تعهد قبل المعرفة. التزام قبل الحكاية.
لحظة ولادته، حصلت أحداث كتير، بحاول أفكر نفسي إنها مش قصتي أو إني مكنتش بطل فيها عشان يبقى حقي أحكيها بأريحية.
بس كشخصية ثانوية، العالم بتاعي في لحظة كان بينهار، كأني في وسط مبنى بيتحرق، وفجأة ادوني كائن صغير، مهما كنت قاري ومستعد، هتكتشف إنه برضه أصغر من توقعاتك.
والمبنى… لسه بيحترق.
قبلها بدقايق كنت بتفرج على فيديو عن طارق العربي، بيتكلم عن كلمات ريمي، وعهد الأصدقاء، وأغاني سبيستون.
بعد ما سلّموني الصغير ومشيوا، وهو بيعيط، دماغي كانت فاضية. فبدأت أدندن:
”دروبٌ قد قطعتيها…“
”وتهدينا الحياة أضواءً في آخر النفق…“
كل ما أسكت وأحاول أشوف النار حواليا، كان يعيط.
كل ما أدندن، كان يهدى.
أول عنوان قدرت أديه لمشاعري وقتها كان بسيط:
أنا هدندن له.
لحد ما دندنتي تبطل تهديه.
لو بنقع في الحب، فأنا موقعتش في لحظتها، لو بنختار الحب، فأنا اخترت أحب.
بعض الآباء بيقعوا في حب المستقبل قبل ما يحبوا الحاضر، فتفكيرهم كله بيبقى، إنهم هيوفروا للطفل حياة ماكانوش بيحلموا بيها. وأحيانًا في أيام بلاقيني بفكر كدا برضو.
بالليل وأنا بشرح لنفسي أنا حاسس بإيه، بفكر إن ربما ده فخ، وربما ده الفخ اللي أغلب الآباء اللي شفتهم في حياتي بيقعوا فيه، إنهم بينسوا الحاضر ومش بيعيشوه في سبيل شكل حياة مستقبلي.
يمكن ده الاختيار السهل.
لو الشخص مش عايز يفكر في ”التجربة“ بحق وحقيقي، وعايز يدي للحياة أي معنى، وزي ما كلنا عارفين مفيش معنى أفضل من التضحية.
أنا هضحي بالحاضر بتاعي عشان مستقبل ابني.
الفكرة دي بتعصر قلبي مؤخرًا. طول عمري بلوم على الأهالي اللي بيحبوا بالطريقة دي، وحتى ساعتها مكنتش مدرك إنه حب هو كمان.
عشان في النهاية هو بيضحي بالحاضر بتاعه فعلًا.
إزاي هتلوم على إنسان ما تسبب فيه من أذى، لمن يظن إنه بيضحي عشانهم، في الوقت اللي هو بجد بيضحي بحياته؟ حب الكل بيطلع منه خسران.
ليالي كتير، قعدت أحاسب نفسي على كل حاجة عملتها وبعملها.
ليالي كتير بحس إني في سباق لحب النفس. بجد والله، ده اكتشاف جديد برضه، إني محتاج أحب نفسي، وأسامحها وأبقى حنين عليها، وده أمر جديد عليا.
أنا حقيقي، مظنش إني حبيت نفسي قبل كدا، ومظنش إني عمري فكرت في اللي ارتكبته من أخطاء في حياتي، عشان لو فكرت هكره نفسي أكتر.
بس هنا بتيجي معضلة جديدة، لو مش بحب نفسي، هآمن على ابني مني إزاي؟
كل فكرة وكل كلمة هقولهاله، هتطلع من إنسان أنا مش بحبه، كل درس هعلمهوله هبقى مرعوب إنه يتسبب في إنه يطلع زيي، وأنا مش بحبني! ربما لو نفسي كانت شخص تالت، كان ممكن أمنع ابني عنها.
بفكر نفسي مؤخرًا، إن كره الإنسان لنفسه وغضبه عليها، غير مبرر. وأنا صغير كانوا لما بييجوا يحكوا عن يوم القيامة، بيقولوا هنقف كده نشوف حياتنا كلها كأنها فيلم والكل يشوفها معانا.
وأنا حاسس إنه غضب وكره غير مبررين عشان مش عدل لما الفيلم بتاعي يتعرض، أحس بالخزي، رغم إني عارف إني هحس بالأسى في أفلام الناس التانية دي كلها.
أما أنت، يا حبيبي..
لو هحط عنوان للحب النهارده، هيبقى إنا اللي منك وأنت مني..
أنا عارف وزنك على صدري، ريحة شعرك، وإمتى بتضحك، وإمتى بتعيط، عارف عياط الجوع من عياط التعب.
وعارف إمتى بتبقى محتاج تتحضن بس عشان تنام.
بس أنا لسه مش عارفك، ولسه بحاول أعرفني..