في بداية كتابها ”كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها“ تقتبس إيمان مرسال جزءًا من قصيدة للشاعرة آنا سوير:
”أنت لن تهزميني
لن أكون بيضة لتشرخيها
في هرولتك نحو العالم،
جسر مشاة تعبرينه
في الطريق إلى حياتك
أنا سأدافع عن نفسي“
قرأت الكتاب تسع مرات منذ تاريخ صدوره. في القراءة الأولى انفجرت في بكاء عنيف وأنا أقرأ فصل ”يوميات“.
كنت في طريقي من ضاحية السادس من أكتوبر إلى منزلي في الدقي، لم أستطع تمالك نفسي، وطلبت من سائق الأوتوبيس أن يتوقف لأترجل. كنا فوق كوبري، حاول هو والركاب منعي، لكني نزلت على أي حال.
كنت متماهية تمامًا مع يوسف، ابن إيمان، لكن مع كل قراءة كان موقعي يختلف.
اليوم أجد نفسي أعيش في ضاحية السادس من أكتوبر، وبداخلي طفلة، أحمل لها مشاعر مختلطة ومربكة، وأتمنى ألا تهزمني، وألا تشرخني، وألا أكون جسر مشاة تعبره في الطريق إلى حياتها. أنا أيضًا سأدافع عن نفسي.
هذا حمل رغبت فيه، لكن الشهور الأولى كانت عراكًا مستمرًا مع مجرد الفكرة: كيف أغير نمط حياتي بهذه الجذرية؟ لم أغير أي شيء، أو حاولت، قبل أن يخذلني جسمي كالعادة.
الرحلة من اتخاذ قرار الإنجاب إلى الإنجاب عجيبة، أو على الأقل حتى المرحلة التي أقف بها الآن. تبدأ بكلمة: ”وهو يعني حد بيعد ورانا؟“
أجد أنني من يقوم بالعد، أحسب أيام التبويض وأيام الانتظار التي أستعجلها باختبارات حمل موقنة بفشلها قبل أن تظهر أي نتيجة.
ولسخرية القدر المعتادة مني، لم يصلح أي اختبار حمل منزلي معي حتى صرت موقنة تمام اليقين بالحمل بالاختبارات المعملية، التي لعبت بي هي أيضًا حين أظهرت حملًا ثم تلاشى. يقول الطبيب إنه حمل كيميائي، أو حمل خارج الرحم، أو أي نوع من أنواع الحمل غير الذي أنتظره.
ينظر لي شاب الاستقبال في معمل التحاليل نظرة لها عدة تفسيرات:
- ها هي الحمقاء اللاهثة وراء الحمل.
- ها هي المسكينة المتأخر حملها.
- ها هي الزبونة الزبونة.
ينظر لي الفني وهو يسحب عينة الدم نظرة أكثر وضوحًا: ”المرة دي إن شاء الله“.
تظهر نتيجة التحليل إيجابية مرة أخرى، لكني لا أطمئن. أبحث عن طبيب متوفر اليوم، نذهب إليه بدون سابق معرفة، زوجي وأنا، لنجده أكثر الأطباء بارانويا ولا أدريةً.
هل يوجد حمل؟ ربما. هل هو مستقر؟ لا أدري، لا شيء يظهر في السونار، ”مروا عليّ بعد أسبوع“. نذهب بعد أسبوع: هل يوجد حمل؟ ”ليه لا والعلم عند الله!“
يكتب لي مثبتات على أي حال، ويبدأ في البارانويا: هناك احتمال وجود حمل ولكنه مبكر فلم يظهر الكيس الجنيني بعد، وهناك احتمال أيضًا وجود حمل خارج الرحم، حينها سنبحث في طرق لإزالته تتراوح بين الحبوب وعملية صغيرة ”مش هتحسي بحاجة“. ”مروا عليّ بعد أسبوع“.
وهكذا عشنا أسبوعين ثلاثة بين الأمل واليأس والبارانويا. حين ذهبنا بعد أسبوع بدأ يمطرنا بالتعليمات، أغلبها تخصني أنا، لكن لسبب أعلمه جيدًا كان يوجه حديثه إلى زوجي وليس لي.
ولكن ما علينا، لم أفهم حتى سألته: ”يعني كدا في حمل ولا لا؟“ ليرد: ”أنتِ حامل من أول مرة“. فعلًا؟ سبحانه.
لم يعجبني ذلك الطبيب، إن كان هناك طرف بارانويد فسيكون أنا. ذهبت إلى طبيب آخر على النقيض تمامًا: كل شيء هادئ وطبيعي في هذا البر.
لكن هدوءه هذا أثار أعصابي، خاصة في الشهور الأولى حين تمكنت مني البارانويا. غير أني أدركت بمرور الوقت أن القصور في العلم ذاته، وفي المؤسسات التي تفرخ هؤلاء الأطباء، وأن الطبيب ابن حلال.
وما عليّ إلا أن أهدأ وألا أهاجمه كأنه من تسبب في فشل وصول طب النسا إلى مرحلة أكثر تطورًا.