بشرفتي بالأمس ارتشفت آخر كوب شاي بحليب من صنع أمي، الحقائب معدة ومقفلة بجوار باب الخروج، أمي تشغل نفسها بعالم المطبخ كي لا تواجه حقيقة ذهابي بلا عودة مؤكدة.
أصابعي تعبث في علبة السكر المفتوحة على سور الشرفة، عقلي شارد في حياتي القادمة، عيناي تغفلان عن سرب النمل القادم للسكر المهدر، يتوافدون من كل أرجاء الخرسانة وشقوقها المرئية وغير المرئية، يتوافقون في حركتهم ومجهودهم كأنهم نملة واحدة في ألف جسد، لا تخاذل، لا ادعاء للأسبقية، لا غش ولا محاباة.
وصل سائقي يستعجل نزولي، أمي في المطبخ تصدم الأواني، تروض النار وتتجاهل فكرة أني ذاهب غير أي ذهاب، تتوارى هناك كأنها على يقين بأننا سنتناول عشاءنا معًا.
تدير ظهرها لي عند محاولتي تقبيل رأسها، السائق المزعج يكرر اتصاله، لا يسعني إلا أن أذهب إلى باب الخروج من الحياة وإلى المجهول.
ولكن قبل الرحيل!
شيطاني أو نفسي أو كلاهما معًا يدفعاني للشرفة مرة أخرى لغرض خبيث كئيب، وأنا يائس.
–
بشرفتي الجديدة اليوم أرتشف أول أكواب الشاي بالحليب من صنع يدي، لا طعم له ولا روح، فقط لون يكفي لاستدعاء كل ذكرى كوب سابق.
أحرر سجيني أو سجينتي، لا أعلم كيف أفرق بين ذكر النمل وأنثاه، أخرجه من العلبة البلاستيكية الصغيرة حيث وضعته قبل سفري بالأمس.
يترنح فور خروجه، يحاول فهم ما حدث، ملمس السور مختلف، رطوبة الجو مرتفعة، السطح زلق فيدفعه إلى الوقوف دقيقةً ليدرك ما جرى، يبصر ما حوله فلا يرى شيئًا يعرفه سواي، يطيل النظر إليّ لدرجة تبث الرعب في قلبي.
لو أني أفهم لغته لسمعت أسوأ الشتائم أو ربما العتاب أو طلب الرجوع مقابل كل مخزون السكر في العالم.
يتقدم ببطء ويرى على الجانب الآخر انعكاسنا على البرج الزجاجي المقابل، يرى وحدته وغربته ربما، لا أحد هنا يخرج من شقوق الخرسانة ليشاركه متعة حمل صرصور أو بقايا قطعة كيك، يتقدم نحو يدي الممدودة متمهلًا، يتشممها فيجدها برائحة الأمس، فيطمئن أكثر وتسرع خطواته.
أدعه يقترب وأسكن يدي كي يزداد طمأنينة، يقف على ظهر كفي الممدودة، يثبت أقدامه على عروق كفي النابضة، يقرصني أو يلدغني، لا أعرف أيهما أدق، ينظر إليّ كما كانت أمي تنظر إليّ بعد كل حماقة أرتكبها، فتقرص خدي ثم تحتضنني عادةً.
تلمع عيني من ألم قرصة القلب والجسد.
يتسلل وسط شعر يدي الكثيف حتى لا تميزه عيني إلا بصعوبة وبمساعدة من إحساس جلدي بحركته، نحن أقرب كائنين أحدهما إلى الآخر، نتكلم دون حديث، نتشارك دون تجارب.
كلانا بشرفة جديدة.
رغم فتحي لعلبة السكر الكبيرة وسكبي ما يكفي لإغرائه، إلا أنه واصل التقدم حتى مرفقي، حتى عندما توقف والتفت للسكر المنثور لم يكرر التفاتته.
ما نفع السكر دون الأهل والأصحاب؟
يستفزني فعله فأتذوق السكر بطرف إصبعي لأول مرة فلا أجد له طعمًا، يزداد حنقي فأكبش المزيد، علّ المزيد يجدي أو يشبع أو يرضي.
ينتابني غضب أو صدمة من تخيلي للسكر ومن واقع طعمه الحقيقي.
وفي قمة يأسي أدب يدي في قاع العلبة البلاستيكية لأستخرج أكبر قدر من السكر وأبتلعه في وحشية وعشوائية، فيتناثر حولي ويغير هيئتي، الزجاج في المبنى المقابل يريني حقيقة ما اخترت.
أسقط باكيًا غارقًا في ملح الدموع والسكر.
وأتذكره!
أين ذهب؟ أتفحص نفسي وما حولي في هلع وخوف من وحدة لا خروج منها، أبعثر كل ما حولي، أحارب فكرة أني لن أجده مرة أخرى.
تمر الدقائق وتخور قواي وتفشل محاولاتي وأسقط على الأرض بجوار علبة السكر ويذهب النور شيئًا فشيئًا.
وفي النظرة الأخيرة أراهم يأتون من بعيد، في حركتهم المعتادة، أحاول أن أطيلها بقدر ما بقي فيّ من قوة.
أريد أن تكون تلك آخر ذكرى لي.
جيش من الأحباب في طريقه إليّ أو إلى السكر.