⁠العاشرة مساءً
٤١٨ كلمة

أقف أمام شباك في مصلحة حكومية وخلفي طابور، ويناولني الموظف استمارة فيها خانة للاسم رباعيًا. يربطون القلم بخيط في الشباك، فأكتب اسمي، ثم اسم أبي، ثم اسم جدي، ثم اسم جد أبي. أنا أول الأسماء الأربعة على السطر، وأصغرها.

للنموذج الإنجليزي منطق آخر. يفترض مصمموه أن الإنسان قطعتان: خانة للاسم الأول وخانة لاسم العائلة. ليس في اسمي اسم عائلة، فأقتطع من سلسلتي ما تحتاج إليه الخانتان.

يبقى اسمي في الأولى، ويصير اسم أبي «اسمًا أوسط»، ويجلس جدي في الأخيرة ممثلًا للعائلة كلها. أما جد أبي فلا يجد خانة. وفي سلسلتي نفسها لا يبقى جد أبي طويلًا: سيكتب من يأتي بعدي اسمه ثم اسمي، فيسقط جد أبي من آخر السلسلة.

قرأت مقالًا لأستاذ الفلسفة تيم كونولي يبحث عن علاج للفردية الغربية عند كونفوشيوس. ينطلق الكونفوشيوسيون من العلاقات:

”الإنسان ابن فلان ومعلم فلان قبل أن يكون فردًا“.

ويعرض كونولي حجة الفيلسوفين روجر إيمز وهنري روزمونت:

”كثيرون يشاركونني هواياتي وأذواقي في الموسيقى، لكن نمط علاقاتي وحده يخصني“.

اسمي الرباعي صورة مصغرة من هذه الفكرة، وقد جعلتها الدولة خانة في الاستمارة.

تضيف الدولة إليها رقمًا قوميًا من أربعة عشر رقمًا، فيه تاريخ ميلادي ورمز المحافظة، وهو الذي يميزني عن رجل آخر قد يحمل ثلاثة من أسمائي الأربعة.

”الابتعاد عن أعراف ثقافتنا أصعب مما نظن“

كما يقول كونولي.

رأيت سلسلتي أول مرة حين عجز عنها النموذج الإنجليزي.

«علاج للفردية»، هكذا سمّى كونولي الفكرة، وأنا أعرف هذا العلاج من الداخل. عندنا في أسوان يبدأ التعارف بسؤال: «إنت ابن مين؟»

يقول الشاب اسم أبيه، فيفتش السائل في ذاكرته عن الاسم، وإن لم يجده، أضاف الشاب اسم جده. فإذا عرف السائل الاسم، صار الغريب قريبًا في دقيقة، وإذا لم يعرفه بقي غريبًا.

يعالج كونولي فردية الجامعة بالعزم: قرر أن يصافح طلابه في أول يوم دراسي، ووضع لنفسه قاعدةً: أن يحاول التوقف لمحادثة الطلاب القدامى الذين يلقاهم في الحرم الجامعي.

وأنا ورثت تحيتي كما ورثت أسمائي: «إزيك؟ إزي الوالدة؟». أقولها بلا انتباه في أغلب المرات، وفي مرة من مرات قليلة يجيب الرجل بأكثر من «الحمد لله»، فتتغير الجلسة.

وللعلاج ثمن. الوالدة التي أسأل عنها في التحية لا مكان لها في سطري الرباعي، وفي بطاقة المرأة المتزوجة سطر لاسم زوجها.

ويستعمل الناس سؤال «إنت ابن مين؟» نفسه ليقرّبوا الغريب وليوزّعوا الوظائف: يدخل ابن فلان، ويقف في الطابور ابنُ من لا يعرفه أحد. وينسب الناس ما أفعله إلى الأربعة، فإذا أخطأت قالوا: «ابن فلان، حفيد فلان، فعلها».

في القاهرة يبدأ التعارف بسؤال آخر: «بتشتغل فين؟» أجيب باسم الجريدة، فأقف تحت اسم جديد. أفتقد السؤال القديم، وأرتاح إلى أنني اخترت هذا الاسم الجديد بنفسي.

تنتهي الاستمارة بخانة التوقيع. الأسماء الأربعة فوقها، والقلم بخيطه في يد أصغرها.

شارك