في مرحلة ما من العشرينيات، لاحظت شيئًا لم أستطع تفسيره في البداية:
أصبح من الأسهل بكثير أن أُحلّل الصداقة من أن أعيشها. أستطيع أن أتحدث عن أهميتها، وأقرأ عنها، وأكتب عنها، لكن حين يحين الوقت الفعلي لأتصل بأحد، لا لسبب محدد، فقط لأن فكرته خطرت ببالي، أتردد.
أفتح المحادثة، أكتب جملة، أمسحها. ثم أغلق الهاتف وأقنع نفسي أنه على الأرجح مشغول.
لا أعرف بالضبط متى بدأ هذا. ربما حين انتقلت للعيش في مدينة بعيدة عن المكان الذي نشأت فيه. أو حين صار الكل مشغولًا بالقدر نفسه، فبدت المبادرة نحو الآخر نوعًا من التطفل لا التواصل.
أو ربما حين أدركت أن الصداقة في الكبر تتطلب جهدًا واعيًا لا أعرف تمامًا كيف أبذله، لأن أحدًا لم يعلمنا هذا.
في الصغر، الصداقة كانت تحدث من تلقاء نفسها. الجيران، الفصل الدراسي، المباراة في الشارع. لم تكن تحتاج قرارًا.
كنا نجلس بجانب بعضنا بحكم الظرف، ويحدث ما يحدث. لكن في الكبر، الظرف لا يجمعنا بهذه السهولة.
كل شخص في فلكه، وكل لقاء يحتاج تنسيقًا، وكل تنسيق يحتاج قرارًا، والقرار يحتاج جرأة لا نعرف دائمًا من أين نستدعيها.
الأبحاث تقول إن الإنسان يفقد في المتوسط نصف أصدقائه المقربين كل سبع سنوات. حين قرأت هذا أول مرة، استغربت الرقم.
ثم فكرت في أسماء بعينها، أناس كنت أعتبرهم جزءًا ثابتًا من حياتي، ولو سألني أحد الآن أين هم لما عرفت ماذا أقول.
لم تحدث قطيعة ولا خلاف. الحياة وحدها، بضغوطها وانشغالاتها، أوجدت مسافة لم يبادر أحد منا إلى ردمها، حتى صارت المسافة هي الحال الطبيعي.
وأعرف أنني لست ضحية هذا فحسب، بل أنا مساهم فيه. ثمة أناس ربما ينتظرون مني رسالة لا أرسلها.
ثمة دعوات أرفضها لأنني تعبت، أو لأن الجهد الاجتماعي في تلك اللحظة بعينها يبدو أكثر مما أستطيع. وأحيانًا أتساءل:
هل هذا تعب حقيقي، أم أنني فقدت جزءًا من المهارة؟
لأن الصداقة مهارة، هذا ما فهمته متأخرًا. ليست موهبة يمتلكها البعض ويفتقدها البعض الآخر. هي شيء يُمارَس ويُصان ويحتاج مبادرة متكررة، لا مبادرة واحدة تكفي.
تشير الدراسات إلى أن التكرار البسيط، أن يرى الناس بعضهم مرة بعد مرة، يبني الصداقة الحقيقية أكثر من أي لقاء أول رائع، حتى يصير الوجه مألوفًا والصوت مريحًا والحضور متوقعًا.
نحن نحب ما نتعود عليه، وما نتعود عليه بدأ دائمًا بقرار صغير، بالحضور مرة، ثم مرة أخرى.
وثمة شيء آخر يصعب الاعتراف به:
الخوف من الظهور بمظهر المحتاج. في ثقافة تُقدّر الاكتفاء الذاتي والانشغال، أن تتصل بشخص ما بلا سبب وظيفي يبدو أحيانًا كاعتراف بشيء لا ينبغي الاعتراف به.
فنتحول إلى الصمت بدل المخاطرة بسوء الفهم. وبينما نصمت كلنا، يعتقد كل واحد منا أن الآخرين بخير وأنه وحده الذي يشعر بهذا الفراغ.
لكن الأبحاث تقول عكس ذلك. حين نُبادر بالتواصل، الناس في الغالب يفرحون. يشعرون أنهم مهمون. وحين نظن أن اتصالنا سيكون ثقيلًا عليهم، نبالغ في تقدير انزعاجهم ونبخس قيمة وجودنا لهم.
هناك اسم لهذا في علم النفس: ”فجوة الإعجاب“، أننا نُقلّل باستمرار من مقدار ما يُسعد الآخرين أن نكون فيهم.
أفكر أحيانًا في الأصدقاء الذين أتذكرهم في لحظات محددة، حين أسمع أغنية كانت تعجبهم، أو أمر بمكان كنا نجلس فيه، أو يُذكّرني شيء بنكتة قديمة.
في تلك اللحظة يكون التواصل سهلًا في الخيال. ”كنت أفكر فيك“، جملة قصيرة، لا تحتاج مناسبة ولا مقدمة.
لكن بين الفكرة والرسالة الفعلية مسافة أحتاج أن أتعلم كيف أعبرها.
ربما هذا ما تعلمته مؤخرًا، أو ما أحاول تعلمه: المبادرة شجاعة، والاحتياج جزء طبيعي من أي رابطة تستحق الاسم.
تحتاج الصداقة جهدًا متجددًا في كل مرة، مثل أي شيء آخر يستحق البقاء.
والقرار الأصعب في هذا كله ليس وقتًا أو طاقةً، بل تصديقًا بسيطًا بأن وجودي في حياة الآخرين يُسعدهم، بالقدر نفسه الذي يُسعدني وجودهم في حياتي.