⁠العاشرة مساءً
٧٧٨ كلمة

وصلت إلى الحضانة محمولًا على ذراع أبي، دخلنا البوابة وصرنا في طُرقة طويلة تفصل بين فصلين كبيرين، فصل لكي جي ١، وفصل لكي جي ٢.

أنزلني أبي أمام فصل كي جي ٢ مباشرة. كان ضخمًا والعيال كثيرون، ونور الشمس يغمر الفصل من النوافذ عن اليمين.

هل كنت خائفًا؟ لا أتذكر. كل ما أتذكره أن أبي لوّح لي باي باي، وتركني ليد شبح، ليد أبلة شفافة لا أذكر الآن وجهها إطلاقًا، أذكر وجه المدير، ووجه أبلة كي جي ١، ووجه الدادة فرحة.

لكن هذه الأبلة تغيب ملامحها وحتى حضورها كله من ذاكرتي. كل ما أذكره أن اسمها عطيات، وأذكر أيضًا ذلك اليوم الذي غادرت فيه الحضانة، يوم حفل الوداع.

لعبنا الكراسي وتمرجحنا وقلنا لها باي باي يا أبلة. وقالت لنا باي باي. في ذلك اليوم شعرت في صدري وحشة كأن داخله بالونة سوداء ضخمة.

ومر شهر أو شهران ثم انتشرت إشاعة أن الأبلة عطيات ستأتي في زيارة إلى الحضانة. وتأكدت الإشاعة حين قال العيال ذات يوم: الأبلة عطيات في فصل كي جي ١.

فرقعت البالونة السوداء بصدري ووضعت فوق ظهري جناحين، وتركت فصلي دون إذن الأبلة الجديدة، وكان باب فصل سنة أولى مغلقًا، فانتظرت في الطرقة ريثما ينفتح الباب وتخرج الأبلة عطيات.

كان بداخلي شوقٌ كبير ورغبة في أن أكلم الأبلة، وأن أحكي لها أني اشتقت إليها، وأنها طيبة جدًا وأنني وأنني وأنني، وخرجت الأبلة عطيات بخمارها الوردي، وتمشت تمشت من باب الفصل حتى مرّت من أمامي ولم تتوقف، ثم خرجت من البوابة دون أن تنظر نحوي.

كانت مسافة الطرقة في ذلك اليوم أطول من طريق سفر لا تهتم بعدد ساعاته، وانطفأت في ذهني منذ ذلك اليوم صورة الأبلة عطيات إلا من خطواتها الطويلة في ذلك اليوم.

كل ما أتذكره أنني أحببتها، لماذا؟ لا أعلم. هل كانت تقرأ لي القصص؟ تلعب معي؟ تدفع أرجوحتي، تمسك يدي لأكتب؟ كل ذكرياتها انطفأت ولم يبق سوى وقع خطواتها، في الطُرقة.

كيف تكون المسافات في الذاكرة؟ في فيلم إنسايد أوت، يمكن ل”حزن“ أن تحول الذكريات السعيدة في الماضي إلى ذكريات ”أسى“، أن تصير الأيام التي لعبت فيها مع أصدقائك بسعادة، هي نفسها الذكريات الحزينة لأن تلك الأيام الحلوة لن تعود.

لو كنت من مؤلفي الفيلم لأضفت شخصية أخرى اسمها ”الزمكان“، ووظيفة هذه الشخصية أن تحدد حجم الذكريات، حجم المسافات في الذاكرة. مط الأماكن والأزمنة أو انكماشها.

هل كانت الطُرقة بين الفصلين طويلة إلى هذا الحد؟ بقي هذا السؤال في دماغي سنين طويلة حتى سكنت المدينة الجامعية.

سكنت المدينة الجامعية لأول مرة في العام الرابع من الكلية. لم أكن أعرف أحدًا قط.

وقفت يوم استلام الغرف على باب المسؤول، قال لي: هاتسكن مع مين؟ تلعثمت ثم سكت ثم انتظرت حتى يأتي من يرضى أن أسكن معه.

دخل مطاوع – الله يمسيه بالخير-، تفحصني بعينيه، وافق في توجس، وحملت حقيبتي لغرفة ٦٠٦. كانت الأسرّة متجاورة. جلست على أحدها نصف ساعة دون أن أتكلم أو أتحرك.

وجاء بقية الزملاء بحقائبهم، يدخلون ويطلعون، يخرجون ملابسهم ويرصونها في الدولاب ويخرجون الأكواب والكتب وينظفون الأدراج.

وأنا، تركت حقيبتي كما هي فوق السرير، وخرجت من الغرفة، ونزلت السلالم وخرجت من بوابة المدينة وركبت الميكروباص ورجعت إلى بيتي. زملوني.. زملوني.

في تلك الليلة، كنت كلما تذكرت غرفة المدينة، تخيلتها واسعة جدًا كبحرٍ مظلم، ورجعت في اليوم التالي إلى المدينة، كانوا قد وضعوا حقيبتي في ضلفة الدولاب الأخيرة.

وانكمشت المسافة قليلًا، ثم سألوني: هتنزل تتغدا؟ وفاجأني السؤال، وانكمشت المسافة أكثر. ونزلت إلى المطعم بعد أن نزلوا بساعة. جلست وحدي على طاولة الطعام الطويلة.

كانت ممتدة إلى ما لا نهاية، وعليها وجوه تأكل الطعام والكلام. كل الآكلين يتكلمون مع بعضهم البعض إلا أنا.

ثم أخذت أتكلم معهم، كلمة خلف كلمة، صار المطعم الضخم منضدة، وأنهيت الطعام ورجعت إلى الغرفة لأقترح على مطاوع وعبدالله وأبو جمال أن نغير ترتيب الأسرة، صارت متقابلة بالطول والعرض، لا أنفاس بجواري إلا مكتب من اليمين وحائط من اليسار، وضاقت الغرفة حتى صار عرضها كما هو في الحقيقة، ٣ متر ونص، ونمت.

أشعر كثيرًا بأن شخصية ”الزمكان“ بالدماغ، هي من تعرف جوهر المسافات، لأن المسافات الفيزيائية التي نعرفها، متر ومترين وثلاثة، ما هي إلا ماضٍ مستمر، إن الدماغ بشكلٍ دائم يحول الأحداث إلى ذكريات، وتنكمش المسافات الواقعية إلى مسافات جديدة في الذاكرة، قد تتسع كبحر، أو تنكمش كصندوق.

قد تمتد لسماءٍ من النور، أو تنحبس في شاهد قبر. أقول كل ذلك الآن في نهاية الأسبوع الأول من الدراسة. في بداية هذا الأسبوع، كان أول يوم حضانة لابنتي.

قلت لزوجتي سأوصل أنا البنت، واستيقظت مبكرًا، وفتحت الشبابيك ولبست البنت رداءً ورديًا مع فيونكة في شعرها.

ثم حملتها على ذراعي حين وصلنا مبنى الحضانة، هي نفسها الحضانة القديمة التي كنت فيها، وها هي صورتي معلقة ضمن الدُفعة الأولى. ها قد رجعت لأول مرة بعد ٢٥ سنة بالتمام.

وتمشيت في الطرقة، ٥ خطوات بالتمام، ووضعت البنت أمام فصلها، لم تبكِ، ثم رفعت يدها ولوّحت باي باي، فلوحت لها باي باي حتى دخلت فصلها، ثم نظرت خلفي، كان طول الطُرقة، ٣ متر ونص.

شارك