من أين تأتي الأفكار؟
تعجّ منصات التواصل الاجتماعي بالأفكار من مختلف التوجهات؛ سوقٌ أشكال وألوان، وكلٌّ ينادي على بضاعته.
منذ انخرطتُ في تلك المنصات، وجدتُ أنها تظل تُلحّ عليّ بالسؤال دائمًا: ”ماذا يدور في رأسك؟“ أو تظل تأمرني: ”اكتب تعليقًا، انشر ردّك، شارك يومياتك“ وهكذا من سبل الإلحاح.
فجأة وجدتُ نفسي مطالبةً بأن يكون عندي ما أضيفه دائمًا، وأن يكون لي رأيٌ في كل موضع، وإلا صرتُ جاهلةً غير مطّلعة. وذلك كليًا عكس طبيعتي.
أنا أصنف شخص بطيء؛ آكل ببطء، أعمل ببطء، أعيش ببطء، أُكوّن أفكاري ببطء.
ربما أزعجتني تلك الصفة حين أدركتُ أنه ليس في العمر الكثير، لكني خسرتُ في كل مرة آثرتُ فيها الكمّ على الكيف، حتى استسلمتُ إلى ذلك النمط.
والجو العام لديه سياسة معاكسة في التعامل مع الأفكار. بدأ ذلك مع فئة ”المثقفين“ الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بحلقات طويلة كل أسبوع على الأقل، غير المئات من الستوريز يوميًا عن الموضوع الفلاني والعلاني، حتى انتقلت تلك العدوى إلينا نحن العامة.
ما يحكمك؟ المعلومات؟ لديك وصولٌ إليها كما لم يحلم أجدادك من قبل؛ لذا فعليك مسؤولية تفكيك هذا العالم بنفسك ثم تركيبه من جديد. لكن هذه عملية تحتاج وقتًا، بل تحتاج عمرًا. وماذا ستقول الآن؟ يا للعيب! أتريدهم أن يُشاوروا عليك ويقولون: ”لا رأي له“؟ قُم فاخرج عن القطيع الآن!
شاهدتُ مرةً مقطعًا لفتاة تسأل: ”أفكارك، أهي حقًا أفكارك، أم التقطتها من هنا وهناك؟“. قرأتُ أن المخ لا يُنتج روابطه الأصيلة حين يكون مُحدّقًا في شاشة؛ هو يصنع أفكاره في لحظات الفراغ الهادئ، حين لا يُلهيه صوتٌ ولا تشغله صورة.
من وقتها صرت أتتبع أفكاري حتى أوجست مني خيفة. أرصد من أين جاءوا وإلى أين هم ذاهبون.
الأفكار تولد في الشارع
للمعلومية أنا امرأة، مما يعني أن تواجدي في الشارع بحساب، لذا فقد طورت خلاله نوعًا من الانتباه الخاص، حيث أحرم على نفسي أن ألتهي بأغنية أو بودكاست أو ما شابه كما يقول مريدي التنمية البشرية، فقط أسير وأسير وأسير فأدون كتلميذة نجيبة كل ما تقع عليه حواسي، فلا يكون انتباهي موزعًا إلا بين الأمد الواسع والتفاصيل الدقيقة.
وقد اعتدت من قبل أن أسير محملة بكراكيبي من ذكريات وانطباعات وأفكار تشغلني عن المكان الحالي واللحظة الراهنة، كأني أسير أحمل سجني فوق رأسي، لكن منذ تعاملت مع التواجد في مكان جديد أو التواجد في مكان ما عامة بوصفه حدثًا بذاته سمحت لأفكار جديدة وخلاقة أن تولد.
فأجدني أسير في طريق آخر داخلي موازٍ لطريقي الحقيقي مما ولد داخلي فكرة ما: هي أن الأفكار تولد في الشارع.
إلى أي مدى نتمسك بأفكارنا؟
الأفكار ساحة معركة دائمًا بينك وبين نفسك قبل أن تكون بينك وبين الآخر. مؤخرًا شعرتُ بأني غير قادر على الاطمئنان والهناء بفكرة ما، حتى مسّ ذلك إيماني الديني.
أذكر مقطعًا صوتيًا بعثتُه لصديقة ممن أستطيع أن أفتح معها حوارًا كهذا، فقلتُ: إنني لم أعد أشعر أن إيماني يليق بالله عز وجل. كأن رجليّ لم تعودا تستطيعان الوقوف على أرض تنطلقان منها؛ أصبح كل شيء عائمًا، عاجزًا عن إنتاج فكرة تمسك بنفسها.
لكن هناك أشياء جاءت قبل أن تجيء الأفكار والعلوم. لا أستطيع وصفها، لكن ربما أدور حولها ببعض المصطلحات: المنطق، حدس القلب، حساسية الظلم، أو شيء مما شابه.
حيث لاحظت أنه مهما راح عقلي وجاء فإنه هناك شيء ثابت لا يتغير في تناولي لهذه الحياة، ألا وهو الحساسية التي توخز قلبي أمام الظلم كبر أو صغر، لذا فاخترت هذا العمود الثابت والمؤشر الدقيق لقراءة ما وراء الكلام والأفكار والنفوس.
فالعثور على الحق يتطلب بالتأكيد العلم والاطلاع الواسع، لكن بماذا يمكن أن ينفعك العلم إذا كان قلبك مريضًا لا يريد الوصول إلى الحق أصلًا؟ وهو ما يجعل مؤشر حساسية الظلم، كل الظلم لا بعضه فعال بدرجة كبيرة.
وهو بذاته أحد أهم الركائز لإدراكي الله تعالى.
فالظلم خلل، والكون في حضرة الله مرتّب.
قد يكون ذلك حقًا هو سبب تمسكي بالله أن الكون في حضرته مرتّب.
كل في مكانه الصحيح ببساطة أقرب للبداهة!
مثلًا، يلازمني القلق منذ الصغر؛ حتى أني كنتُ أخترع سيناريوهات خيالية أقلق بشأنها. وقد أسهم في خلق ذلك القلق عواملُ عدة، أهمها أن سمة عصرنا أصلًا هي القلق.. إنسان العصر الحالي فاقدٌ للأمان على كل المستويات المادية والمعنوية.
كما أن للنشأة عاملًا بالتأكيد؛ صعبٌ أن تتعلم من سنٍّ صغيرة أن الأشياء التي تعتبرها بديهيةً — كالعائلة وبيت الطفولة — يمكن أن تُسلب منك في ثانية. ذلك يجعلك تفقد الثقة في تلك الحياة وفي هداياها.
المهم أنني كنتُ قد رأيتُ ذلك القلق وأشرتُ إليه، لكن كمجرد صفة سيئة يمكن التعامل معها ببعض من الوعي. وكان سلاحي في ذلك هو الزهد؛ أُقلّص من حمولة احتياجاتي ورغباتي كلما قدرتُ حتى أسير في تلك الحياة بخفة، فما أتت به الحياة أخذتُه في تواضع، وما منعته صرفتُ نفسي عن الانشغال به. وذلك مما علّمني ربي.
أقرأ الآن كتاب ”الخوف السائل“ لباومان، وأنا مستمتعٌ جدًا بالوصلات التي تشتعل نورًا في رأسي من أثر ذلك الكتاب. لكن أتعلم؟
الكتاب معي منذ أسبوعين ولم أُنهِ نصفه بعد.. لم أعد أملك الوقت، وحتى إن ملكتُه لم أعد أملك البال الرايق لذلك.
إذن فالخوف يمنعني من قراءة كتابٍ عن الخوف!