يقولون إنَّ الزمن يُغيّر كل شيء، لكن من قال هذه الجملة لم يزُر رف ألعابي الصغيرة من قبل؛ حيث الزمن هناك مجرد كلمة لا تملك سلطة، ومحض شبحٍ بلا تأثير فعلي. فالبلاستيك لا يتحلل، لا يشيخ، ولا يفقد وظيفته مهما انكسر الواقع من حوله.
أتساءل أحيانًا: هل تشعر ألعابي بهذا؟ أم هل اتفقت سرًّا على هذا الصمود؟ بينما كان العالم من حولي يتآكل، ظلَّ جيشي من البلاستيك اللامع محتفظًا بألوانه في أكثر سنواتي عتامةً، وكأنه قرر بعنادٍ طفولي ألا يبهت أبدًا بينما أبهتُ أنا.
منذ قررت أن أستعيد ممتلكات طفولتي، وأبحث بشغفٍ عما فقدته في رحلتي من ألعاب، وأنا أحاول العثور على خيط تواصلٍ مع براءةٍ لم أعد أعرف كيف أستردها سوى بهذه الطريقة.
صنعت رفًّا، وجمعت عليه ما نجا معي وما اقتنيته مؤخرًا؛ قضيت ساعاتٍ في الترتيب والتنظيف، أضع هذا هنا وذاك هناك، أجمع الأصدقاء جنبًا إلى جنب، وأصنع منهم لقطةً بصريةً متجمدة، كأنهم كادر من فيلم كرتوني قديم، أو مشهد لطيف ينتظر إشارة البدء ليتحرك. كنت أُعيد صياغة عالمي الصغير ليصبح أكثر احتمالًا.
مرت الأيام وكنت أنظر إليهم يوميًا بتساؤلٍ طفولي: هل يتحركون في الليل كما في (قصة حياة لعبة)؟
هل يشعرون حقًا بذبذبات هذا الغلاف الجوي المشحون بطاقتي السلبية؟
هل يملكون رغبةً خفية في القفز من فوق أرفّهم والجلوس فوق صدري كما تفعل قططي حين تشعر بحزني؟
هل أُعذّبهم بتركهم هكذا، مجرد تماثيل صامتة بدلًا من اللعب بهم؟
أم أن هذه المسؤولية التي أشعر بها هي مسؤوليتي تجاه طفولتي؟
كنت سرعان ما أنتبه، لأغرق مجددًا في واقعي الرتيب ومواعيد عملي الليلية المرهقة. كنت أعمل من المنزل، وفي ساعات الاستراحة الباردة لم أكن أجد ما أفعله سوى التحديق إليهم؛ كنت أتبادل معهم نظراتٍ صامتة، كأنني أشكو لهم كيف ساءت الأمور، وكيف تحولت من مبدعٍ يضجُّ خياله إلى مجرد ترسٍ ممل في وظيفة آلية، يقضي ليله في مراجعة بريدٍ إلكتروني لا ينتهي وإنجاز مهامٍ مكتبية مملة.
توالت الأخبار السيئة عليّ، زحفت خلف بعضها بلا هوادة، لم تمنح عقلي رفاهية التنفس أو حتى فرصة التأقلم مع الفقد. كنت أراقب الغبار القاتم وهو يتراكم فوق الرف يومًا بعد يوم، وأقف عاجزًا؛ لا أملك قوةً لإنقاذهم ولا لإنقاذ نفسي. جلست على حافة السرير أحاول استيعاب ما حدث، فوجدتني قد فقدت كل شيء، وأصبح استقرار حياتي مهددًا بالفناء للأبد.
وفي لحظة ذعر، تجسّدت أمامي ملامح الراحلين؛ كيف فقدت آخر الروابط بطفولتي: جدتي، وصديقة طفولتي، وقطتي التي شاركتني عشر سنواتٍ من الحياة. وكيف وجدتني في ليلةٍ وضحاها بلا وظيفة، وكأنَّ كل ما قدّمته لم يكن كافيًا ليحفظ لي مكاني في هذا العالم.
في نوبة انهيارٍ صامتة، قمت بجمعهم جميعًا في وعاءٍ واحد، وذهبت بهم إلى البانيو. وجدتني أغسلهم بالماء والصابون، أُنظّف جلودهم البلاستيكية بهوس، وأُزيح الغبار عن وجوههم وأنا أبكي؛ كأنني بتنظيفهم أحاول يائسًا غسل جروح طفولتي جميعها، أو التشبث بآخر خيوط طفولةٍ تتسرب من بين أصابعي وتضيع في مجرى المياه.
ومع استعادتي لزمام أموري، قررت أن أردَّ لهم الجميل بطريقتي الخاصة. لم يعد يكفيهم أن يقفوا بصمت كديكور؛ فبدأت في كتابة سِيَر ذاتية لألعاب الرف. فإذا كان العالم يطالبني بسيرة ذاتية تُثبت كفاءتي المهنية، فإن هؤلاء المحاربين يملكون سِيَرًا تفوق في بطولتها كل خبراتي العملية.
وضعت لكل منهم مسمىً وظيفيًا لا تعرفه الرأسمالية؛ فهذا متخصص في الثبات الانفعالي، وتلك فريسة مذهلة للقطط. اكتشفت حينها أنني لا أصنع مجرد أرشيف للألعاب، بل كنت أوثّق نجاتي. كانت سِيَرهم الذاتية هي المرآة التي تعكس حقيقتي؛ فبينما كان العالم يراني مجرد موظف يؤدي مهامه بآلية، كانت ألعابي تعرف أنني مقتنٍ ذو خيال واسع.
بدأت بـ”باز يطير“ و”وودي“؛ لم أكتب في سِيَرهم الذاتية عن قدرة باز على التحليق، أو عن وفاء وودي لصاحبه، بل كتبت عن ثباتهم الانفعالي المذهل وهم يراقبونني في نوبات ذعري؛ كتبت عن محاولاتهم الصامتة لتذكيري بما كنت عليه، قبل أن تعبث قسوة العالم في روحي. كتبت عن لعبة الضفدعة الخضراء، كانت صغيرة لدرجة أنها قد تضيع في راحة الكف.
كانت الجائزة الكبرى لقطتي الراحلة؛ كانت تحملها بفمها بزهوٍ غريب، تتحرك بها في أرجاء الغرفة كأنها اصطادت وحشًا. كتبت عن كيف تحمّلت ألا تكون فريسةً لأحد بعد الآن، ولم يعد هناك من يطاردها تحت السرير في منتصف الليل، وعن بحثها عن وظيفة.
بعد شهور، بدأت تدريجيًا في استعادة نفسي؛ وقفت على قدميَّ مجددًا، وبدأت ماراثون مقابلات العمل الذي لا ينتهي. لكنني لم أكن أذهب لتلك المقابلات وحدي، بل كنت أتمرّن عليها أولًا أمام الرف.
في مخيلتي، لم يكن أصحاب الشركات هم من يحاورونني خلف الشاشات، بل كان جيشي البلاستيكي هو من يعقد لي لجنة التقييم أولًا.
كان باز يراقب انضباطي وثبات انفعالي، والمينيونز يتهامسون خلف ظهري عن مدى جديتي كموظف محتمل. كنت أنظر إليهم وأنا أرتدي قميص العمل الذي هجرته طويلًا، وأتساءل: هل سأُقنع هؤلاء المديرين الصامدين بأنني ما زلت صالحًا للعمل؟ هل ستوافق هيلّو كيتي على تعييني في عالم الكبار مرة أخرى؟
لكن المقابلات الحقيقية كانت جافة، باردة، ولا تشبه عالمي في شيء. ومع كل ردٍّ بالرفض كنت أتلقّاه، كنت أعود لأجدهم في أماكنهم ينتظرونني بصبرٍ؛ يخبرونني بابتساماتهم الثابتة أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الاستقرار الحقيقي ليس عقدًا في شركة أو وظيفة مكتبية، بل هو القدرة على العودة إلى النفس، والوقوف بثباتٍ وجهًا لوجه أمام كل هذا الركام.
في تلك اللحظات، لم أكن أحاول إثبات كفاءتي لأصحاب العمل، بل كنت أحاول أن أُثبت لألعابي ولنفسي أنني لم أعد ذلك الكائن الهشَّ الذي حطّمه العام الماضي. كنت أريد أن أستحق مكاني بينهم على الرف ككائنٍ حي مقاوم، لا كمجرد تمثالٍ آخر منسيٍّ تحت الغبار.
على هذا الرف، لا أحد يموت، ولا أحد يفقد وظيفته. باز يطير ما زال يؤمن أنه يستطيع التحليق، وسبونج بوب يضحك بملء شفتَيه البلاستيكيتَين. يراقبونني بجمود وأنا أفقد قطعًا من روحي واحدةً تلو الأخرى؛ يراقبون السرير الذي لم يتركه جسدي لشهور، والكرسي الذي هجره قميص العمل. هم الشهود الصامتون على سنةٍ كاملة من الركود، سنةٍ نبت فيها العشب المرُّ فوق كل شيء، إلا فوق جلودهم البلاستيكية اللامعة.
وضعت الضفدعة الخضراء في مكانها المختار، بجانب أكشن مان وباز يطير تمامًا. شعرت للحظة أنَّ قطتي الراحلة لولي تراقبني من زاويةٍ ما في الغرفة، راضيةً بأنَّ فريستها ما زالت في أمان.
لم أعد أتساءل إن كانوا يتحركون في الليل؛ لأنني أنا من بدأ يتحرك. لقد حرست ألعابي طفولتي طوال الفترات الصعبة كبطلٍ خارق، والآن حان دوري لأخرج إلى العالم وأحرس نفسي.
ربما لن أطير فعلًا مثلما حدث مع باز في النهاية، ولن أخوض حروبًا سينمائية كـ”أكشن مان“، لكنني فزت بأصعب معركة: لقد استرددت روحي من بين أنياب سنةٍ كادت أن تقضي عليَّ. الرفُّ الآن ليس مجرد متحفٍ للماضي، بل غرفةٌ مليئة بالأبطال الصامدين في وجه القلق؛ فالاستقرار الحقيقي ليس في ثبات الظروف، بل في أن أنظر إلى ألعابي وأرى فيها انعكاس طفل رفض أن يستسلم.
وأنا على أتم استعداد لمواجهة الحياة مرة أخرى.