وصلني إشعار بأن (جوروج وجوزيف إدفو غرب) انضم لتليجرام. شعرت لوهلة أن الاسم مألوف لكنني لم أتذكره قط.
عصرت ذاكرتي مرة أخرى فلم أتذكر أي شيءٍ على الإطلاق عن هذا الرجل. ولم أفهم لماذا اسمه يحتوي على حرف الواو، (جورج) و(جوزيف)، هل هو أخو جورج وسوف هه؟
فتحت برنامج الاتصال لأبحث عن أي مكالمة بيننا، أي رسالة، أي رنة معفنة، ولم أجد له أي أثر، كأن أغنامًا سارت فوق خطاه.
قلت طالما قد انضم حديثًا إلى تليجرام، فإنه حتمًا يستخدم الواتساب.
فتحت الواتساب وبحثت عن اسمه لأجد محادثة قديمة من كلمتين فقط، أقول فيها:
– السلام عليكم.
كانت (السلام عليكم) هي الرسالة الوحيدة في المحادثة، وهو قد رأى الرسالة غير أنه لم يرد.
فتحت صورته محاولًا تذكره، فلم أجد سوى صورة لـعادل إمام من فيلم زهايمر. لا معلومة توحد ربنا تذكرني بهذا الرجل.
ثم انتبهت إلى معلومة مهمة للغاية، كان تاريخ الرسالة (١٦ أغسطس ٢٠٢٣م)..
هذا هو نفسه اليوم الذي تركت فيه العمل بإدارة إدفو غرب.
في ذلك اليوم الصيفي الموحوح، كنت قد رجعت من المديرية بأسوان بجواب الإخلاء الموجه للإدارة، لكنني وصلت إلى إدفو بعد العصر، فأكملت الطريق إلى وادي الصعايدة لأبيت بالوحدة الصحية لآخر مرة، كانت ليلة غريبة. كل الليالي الأخيرة غريبة.
انتبهت لحظتها أن كل شيءٍ سأراه لآخر مرة في حياتي، فحتى لو رجعت إلى أسوان فلن أسافر ٣ ساعات من أسوان لإدفو، و٣ أخريات من إدفو لقلب وادي الصعايدة.
أصابني شجنٌ غريب وصمت، وفتحت الشباك بعد المغرب، وحضرت فنجان قهوة.
كان الهواء الخفيف يحرك قبب العشب الشيطاني حول الوحدة. طالما حبسني هذا العشب بين أسوار الوحدة خوفًا من عقربٍ أو حية. تذكرت الليالي الأولى، كان القلق يأكل قلبي قطعة قطعة، كل دقة باب، كل منادٍ، كل حمارٍ ينهق أو كلبٍ ينبح، وكل كرتونة أفتحها من كراتين الوحدة الجديدة.
يومًا بعد يوم، ضحكة خلف ضحكة، أخذ القلق يذوب.
جاءتني مس نورا بعيش شمسي خبزته، وكانت مِس عفاف تذكرني بإحدى زوجات عمي، وأبو البكري وحسنين.. صارت الأيام روتينية، والروتين يفتح طاقة السكينة، وتبادل أكواب الشاي.
وفي الليلة الأخيرة، تمنيت لو يمتد بي الزمن لأودع كل هؤلاء، البشر والحيوانات والشجر، وحتى صوت الأبراص الليلي المزعج الذي تكرر في تلك الليلة.
كل ذلك ولا أتذكر قط من هو (جورج) و(جوزيف) ولا لماذا سجلت رقمه. هل هو رقمٌ واحدٌ مملوكٌ لشخصين؟
بعدما انتهيت من فنجان القهوة، أغلقت نافذة الصالة ثم أخرجت حقيبتي وفتحتها على مصراعيها، أخذت أنقل إليها كل أشيائي المبعثرة، كنكة القهوة، الكروكس، كشاكيلي، أقلامي، ملابسي، تركت كيس مسحوق الغسيل وكيس البن وكيس خبزٍ كبير وكيس ملح.
قلت لنفسي: سآكل (عيش وملح) مع أشخاصٍ لا أعرفهم.
وعند منتصف الليل استلقيت فوق سرير الغرفة الضيقة. راجعت كل أحداث العام، كيف ينقلب الخوف إلى أسى؟
سمعت خربطة في المطبخ، ضحكت، كنت أعرف أنه (الفأر عيسوي) الذي لم أستطع قط الإمساك به! سأغادر أنا وسيبقى عيسوي، يبدو الأمر كقصة ظريفة، مَن الضيف ومَن صاحب المكان؟!
في صباح اليوم الأخير، حملت الحقيبة الضخمة، نزلت على السلم درجة درجة، كان السلم مغمورًا بنورٍ من النافذة التي يحط خلفها الحمام ليستريح.
وصلت إلى الدور الأرضي وجرجرت الحقيبة في الممر الطويل.
رأيت (مِس عفاف) في نهاية الممر، لم تكن تعرف أن هذا يومي الأخير، استفسرت بيدها عن الحقيبة، أخبرتها، فوقفت مكانها ولم تتحرك أو تتكلم. ثم بعد دقيقة كاملة قالت:
– ”ربنا يوفقك يا دكتور أحمد“.
ودعت كل الناس، كان عليّ أن أنتهي من أوراق الإخلاء من الإدارة أولًا ثم العودة إلى الوحدة ثم الإدارة مجددًا، وقد اختصروا عليّ الطريق وذهبت مباشرة إلى الإدارة بعدما أخذت أوراق الإخلاء مقدمًا من الوحدة.
كل ذلك لا أتذكر أنني سجلت رقمًا ولا قابلت أحدًا باسم جوروج أو جوزيف.
انتظرت على طريق القرية، نظرت للخلف ثم رفعت يدي لألوح بالوداع. وذهبت إلى الإدارة.
ثمة أوراق كثيرة احتاجت إلى تصوير.
نزلت إلى شارع الإدارة، اعتدت أن أمشي في سوق الذهب حتى ساحة الشيخ البيومي حيث مكتبة قديمة تصور الأوراق، كانت مغلقة.
سألت بعض الناس فدلّوني على مكتبة في شارعٍ منزوٍ، ذهبت حيث أخبروني، وصلت بصعوبة، كانت المكتبة واجهتها متربة ككل شوارع إدفو، ظننتها في البداية محل سباكة، كانت ملآنة بكراتين عليها مسحة طين وصورة على الحائط لطفلين، ثم انتبهت لماكينة التصوير فأعطيت الأوراق للرجل.
لاحظت في البداية على عينيه نظرة تعجب. كان يتحرك ببطءٍ كمن يكتشف المكان لأول مرة. سعل سعلتين والأوراق بيده ثم شرب كوب ماء. وضع الأوراق بماكينة التصوير ثم نظر إليّ، قال:
– لو احتجت أي تصوير أنا موجود.
ثم قال:
– قول لزملايلك على مكان المكتبة.
ثم نظر إليّ مجددًا وقال:
– طب خد رقمي.
وأخذت الرقم، سألته عن الاسم فقال: جورج وجوزيف. وسجلته، وإمعانًا في طمأنته، فتحت الواتساب وأرسلت له: السلام عليكم.
أخذت من يده الأوراق، وسلمتها، وخرجت من سوق الذهب، وركبت قطار أسوان لآخر مرة.