⁠العاشرة مساءً
١٦٦٢ كلمة

«لا أمل في إنقاذها، عليها فقط أن تتحمل دقائق قليلة ثم ستنعم براحة نهائية»
قال سائق توك توك تلك العبارة وهو ينظر إلى قطة الشوارع النازفة التي أحملها بين يدي في مُنتصف الطريق.

لم يحتج الكثير لفهم الموقف: خط الدم الطويل بامتداد الشارع، والسيارات المُسرعة في تلك الساعة الأولى من الصباح، حيث يلهث الجميع للذهاب إلى المدارس والعمل. كانت القطة تعبر الشارع في الزمان الخطأ والمكان الخطأ.

عرضت عليه أن أدفع ضعف الأجرة التي يتقاضاها كي يقود التوك توك إلى أقرب صيدلية يُمكن أن أضمد فيها جروحها، لكنه عوضًا عن ذلك التقط القطة من يدي، وكفنها في خرقة بالية كان يحتفظ بها قرب الدواسة، ووضعها بسلام على جانب الطريق، ثم ترك موتور التوك توك دائرًا، ووقف يراقبها معي.
خلال ثوانٍ قليلة توقفت أنفاسها المُتقطعة، ووصلت إلى الراحة الأبدية التي تنبأ بها.

كان ذلك الصباح مُبتدأ معرفتي بالسائق (ع)، رجلٍ عمليٍّ يتقبل حقائق الحياة والموت ببساطة كما أتقبل شروق الشمس وغروبها كحقيقة يومية.

ذكرته، بعد مرات قادني فيها إلى مشاوير مختلفة، بذلك الصباح، وسألته لماذا لم يتقاضَ ما عرضته عليه من نقود ويوصلني لأقرب صيدلية، حتى لو ماتت القطة بين يدي. لماذا أجهض تلك المفاوضة التي كانت ستُربحه بعض النقود؟!

أخبرني أن الحادثة حطمت عظام القطة كلها، ولو قبل عرضي لما عدت لحظاتها الأخيرة أن تكون اهتزازات مُروعة من أثر المطبات والقيادة. ستجعلها يقظة حتى النهاية، تعاني سكرات الموت مُضاعفةً.

قال ببساطة رجل رأى تلك اللحظة ألف مرة:
«الكلاب والقطط عندما يحل موتها تذهب إلى زاوية مُظلمة على جانب الطريق، وتتظاهر بالنوم. لذلك لم تكن تحتاج إلا ليد تنقلها لجانب الطريق، وخرقة تُحيط جسدها لتُسهل انزلاقها لنوم لا صحو منه»

ما فتنني في (ع) أنه كان عمليًا إلى أقصى حد، يُبرر أفعاله بمنطقية وبأقل عدد كلمات مُمكنة، لكن عمليته تلك لم تخلُ أبدًا من الشعرية التي تجعله يرفض بعض النقود كي يتماهى مع آلام قطة في لحظاتها الأخيرة ويجعلها أخف وطأة.

كان (ع) عمليًا بما يكفي ليسمح لأكثر من راكب بالتطفل على رحلتي كي يُضاعف أجرته خلال طلعة واحدة، لكنه شعريٌّ بما يكفي كي يُعطل الرحلة برمتها ويغير وجهتها لتوصيل سيدة عجوز لا تقوى على الوقوف وانتظار الحافلة.

يُضاعف سرعة التوك توك المُتهالك كي يستجيب لتوسلات راكب يلهث من أجل اللحاق بإمضاء البصمة خوفًا من خصم التأخير، ويُبطئ سرعة المركبة ذاتها بإلحاح أم تحمل رضيعها في نحرها، وتتنهد أخيرًا لأنه توقف عن البكاء ورضخ للنوم.

شيءٌ واحدٌ لم يُطِقه (ع) أبدًا، وهو التوقف بالتوك توك لوقت طويل. كانت قيادته مجازًا عن موقفه الوجودي من العالم، أخبرني أنه ولد كي يقود، كي يذهب إلى نقطة ما أو يعود.

شيءٌ من الانتصار يشعر به عندما يُجاوز بمركبته البسيطة نقاط البشر الجامدة، وإذا التقط أحد المارة في مركبته يبدو له كأنه يُنقذه من قدر التوقف ذاك. كأن الحركة حياة والتوقف موت. وهو يكره أن يموت!

كنت أرى التماعة عينيه المُتقدة بتلك الفلسفة في صباحات بعينها، عندما يحتل أمناء الشرطة الشوارع لتأمين احتفالات الأعياد أو سرادقات الانتخابات. يُدرك (ع) أن أحدًا منهم لو لمح التوك توك لسحب أوراقه وفرض غراماته، ومارس سلطة قد تصل في مُنتهاها إلى سحب مركبته ذاتها.

يتفنن (ع) في تلك الصباحات في مُمارسة كل فنون المراوغة، والتماس الطرق المختصرة والأزقة الضيقة كي يتجنب الأمناء، ولكنه في الوقت نفسه لا يقاوم في كل مرة رغبته في أن يُزين نزعة الهروب العملية تلك بمسحة شعرية!
يختار ناصية واسعة مكشوفة، يُبطئ عندها للحظات كي يراه الأمناء، ثم يضغط دواسة بنزينه ويفر مثل البرق.

يستعرض (ع) وجوده أمام كل القوى التي يُمكنها أن تسحب منه مركبته وتتركه للموت واقفًا، وفي ذات اللحظة يستعرض لذة الفرار في اللحظة الأخيرة من براثن قدر أطبق عليه الخناق.

في أحاديثنا الخاطفة، لم يفهم (ع) أبدًا ما أعنيه بأن الكتابة مهنتي. لم يفهم كيف أستسلم للتوقف. لا توجد رحلة فيما أفعل، لا يضرب الهواء البارد وجهي كل صباح، لا أذهب لمكان مُبتغى ولا أعود من تيه.
سألني مرة بسخرية:
«كيف يُمكن لفكرة في رأسك أن تُدر نقودًا؟»

وصفت له كيف أراه في رحلاته اليومية، كما وصفته في الفقرات السابقة، وكيف يصنع بحضوره مزيجًا غرائبيًا من العملية والشعرية. لم يفهم (ع) أبدًا قدر الشعر فيما يفعله، ولم يفهم كيف يُمكن لصياغة أدبية أن تصطنع مكانًا آمنًا لشتات تناقضاته.

أخبرني أنه يكره الكلمات الوصفية والصياغات المُتكلفة، ربما لأن عبارات مثل:
«الفحص الفني»، «حجب الرؤية»، «ضمانات السلامة»
هي ألاعيب لغوية يستنزف بها أمناء الشرطة وضباط الطريق نقوده كل يوم.

وثق (ع) منطقه بعدها بأن مرر يده على ملمس المعدن الملتهب للتوك توك، ثم مسح بها جبهته التي تتصبب عرقًا تحت شمس أغسطس الحارقة وقتها. كأن تلك المعاناة الملموسة هي ما يفهمه، لا الكلمات.

لم يفهم (ع) حتى أن موقفه ذاك كان شعريًا!

في الستينيات، كتب الأديب الياباني «يوكيو ميشيما» سيرته الذاتية «الشمس والفولاذ»، وكانت تدور حول هواجس (ع) ذاتها!

رغم كونه أديبًا مُتحققًا، اعترف ميشيما بأنه يتوق إلى أن يقابل الواقع في ميدان لا دور فيه للكلمات.

خلال سنوات انسحب ميشيما بالتدريج من عالم أفكاره الأدبية، واعتنق الفنون القتالية. لفحت الشمس جسده كل صباح وهو يتمرن وسط الطبيعة، بينما ربتت يده على ملمس الفولاذ البارد في سيف القتال الذي يحمله.

ووجد ميشيما مُنتهى تحققه في الخصم الملموس الذي يراوغ سيفه ويَكيل له الضربات. كان خصمه حقيقيًا وكان الألم حقيقيًا، وهو ما لم يجده أبدًا في مراوغته لأفكار الأدب، وفي اصطناعه عواطف اللذة والألم على السطور.

قال ميشيما:
«أردت التحول من كائن يخلق الكلمات إلى كائن تخلقه وتصفه الكلمات»

لم يُمانع (ع) أن أُعيد خلقه بالكلمات، لكنه لم يفهم أبدًا كيف أكتفي من العالم بالكتابة، بخلق كلمات لا ملمس لها، ولا لذة ولا ألم.

بمرور الأيام بدأت مهارة (ع) في القيادة تتآكل، باتت مراوغاته أقل خفة، ولم يعد يثق حتى في استعراض مهارات فراره المُتحدية، بعدما نجح أمناء الشرطة في إيقافه أكثر من مرة.

ظننت في البداية أن التوك توك المتهالك لم يعد طيعًا لنزواته، لكنه أخبرني أن المُشكلة في بصره، تحديدًا بقعة صفراء بدأت تنبت في حدقة عينيه مثل شمس مُتطفلة، وأحالت الرؤية جحيمًا. وكلما واجهت شمس عينيه الجديدة شمسَ الأفق، صار الألم مُضاعفًا.

لم أفهم من كلماته طبيعة التشخيص (كما أخبرتك سابقًا، لم يُجِد (ع) التعبير بالكلمات ولم يثق بها أبدًا لنقل أحوال اللذة والألم)، لكن الطبيب أخبره أن مرضه وراثيٌّ. وطمأنه إلى أنه لم يُهمل في صحته ولم يتسبب في لعنته، لكنه ورث عن أبويه جينات معطوبة.

أخبره الطبيب أن القيادة ستصير مُستحيلة خلال عام أو أقل، والعمى الكامل احتمال قائم خلال سنوات قليلة.

شعرت بالغضب لأجل (ع) لأن ابتلاءه كان مُصممًا من جنس الشعرية التي يحيا بها في العالم. كان (ع) يطير كل صباح بمركبة مُتهالكة صوب شمس الأفق، لا يُراوغ في الحياة إلا فوبيا واحدة وهي التوقف. وكان اختباره شمسًا في عينيه تُجبره على أن يرتمي على جانب الطريق نحو زاوية ظليلة ومُظلمة كالموت.

ساعدت (ع) في تأمين عوينات طبية تؤخر تدهور عينيه الذي بات حتميًا، وتوسلت إليه أن يُشغل التوك توك في الليل كي يتجنب شمس الأفق، لكنه أخبرني ببساطة وهو يهز كتفيه:
«الرزق رزق النهار، طلبة المدارس وموظفو العمل، لا يوجد الكثير في الليل. ما باليد حيلة»

عندما انتزع القدر من (ع) الشعرية التي يحيا بها، اتكأ على طبيعته العملية الحاسمة. رأيته في تلك اللحظة مثل القطة النازفة التي جمعتنا أول مرة قابلته فيها.

قطة رشيقة راوغت القدر ووحوش الطريق المعدنية وأرجل المارة آلاف المرات حتى تعرضت للدهس، فاستسلمت للموت، حتى جاء مُتطفل مثلي وحملها كي تستيقظ من حلم الموت الرحيم من أجل آمالي الأنانية في إنقاذها.

قرر (ع) أن يتجاهل تعليمات الطبيب، وأن يقود كل يوم عربته مُسلحًا بشمس في عينيه، وينطلق نحو شمس الأفق في مُبارزة محسومة نتيجتها سلفًا.

أخبرته عن «إيكاروس» الذي ظن يومًا أن أجنحة من الشمع يُمكن أن تجعله يُلامس السماء، ولكن الشمس أذابت أجنحته، وهوى.

مرر (ع) يده كعادته على معدن التوك توك الصلب، وأخبرني ساخرًا أن فرصه أكبر من ذلك الأحمق، لأن أجنحته معدنية.

أشاح بعينيه بعدها عن الطريق للحظة، ونظر إلى عينيَّ بحنان يُجاهد لإخفائه، وأخبرني أنني ما زلت أحمق، أحاول بالكلمات إنقاذ أرواح فات أوان إنقاذها. أحاول إضفاء شعرية على أحوال عملية لا مفر من قبولها.

تلك القطة عاشت حياتها كما أملت عليها غريزتها، و(ع) عاش حياته كما تمنى، لكنه خلق سلامه منذ زمن طويل مع لحظة لا بد أن يسكن فيها زاوية على جانب الطريق ويتظاهر بنوم لا صحو منه.

يرى «يوكيو ميشيما» أن الوظيفة الجوهرية للكلمات والكتابة هي أنها سحر نُداوي به انتظارنا للموت، ولكنه يتساءل:
«ما الوظيفة التي تؤديها الكلمات للروح حين تعي أخيرًا وجود النهاية؟»

قتل ميشيما نفسه في النهاية بسيف طقوسي على طريقة الساموراي، بينما ذهبت مخطوطة عمله الأخير في اليوم نفسه إلى ناشره، كي تصير نهايته إعلان تمرد كامل على الأدب.

كان يُمكن أن يكتب ميشيما عن شخصية أدبية تُكافح من أجل ما آمن به وتموت، لكنه أراد موتًا حقيقيًا، يشعر فيه بلفحة الشمس وملمس الفولاذ البارد وهو يشق قلبه.

لو تخيلنا ميشيما راكبًا مُتطفلًا على رحلاتي الأخيرة مع (ع)، كان سيُثمن إصرار (ع) كل صباح على مُعانقة شمس عينيه لشمس الأفق، رغم أنه يخسر في كل رحلة بعضًا مما تبقى من بصره.

كان سيخبرني أن (ع) سعيدٌ لأنه حتى لحظته الأخيرة سينعم بملمس الفولاذ في مركبته، والشمس التي تلفح وجهه، وسيراوغ التوقف الذي يخشاه أكثر من الموت. لكنني أحاول باستمرار انتهاك تلك الخبرة المُعاشة وإنقاذ (ع) بالكلمات والأدب، بينما بعض الجمال لا بواكي له، ولا تستطيع الكلمات أن تلفظه وتُعبر عنه.

سألني (ع) لماذا أحاول أن أصطحب معي في عربته أديبًا يابانيًا وساموراي راحلًا، وبطلًا من الأساطير الإغريقية، وكلمات لا نهاية لها تُعطلني عن قبول نهاية حزينة.

أخبرته أنني أمتلك تلك النزعة إلى كتابة النصوص والكُتب عمن أفقدهم، وإلى شغل آلاف السطور بحبر الكلمات بدلًا من مواجهة الخسارة في حقيقتها، حتى لو كانت خسارة قطة تحتضر في نهر الطريق، أو سائق يقود مركبته بإصرار إيكاروسي نحو الشمس.

في رحلتنا الأخيرة معًا، قابلت (ع) في الصباح الباكر. وافق أن أكتب حكايته، ووافقت أن يقود التوك توك هذا الصباح بسرعة أكبر من المُعتاد، وأن يضغط دواسة البنزين نحو اتجاه واحد: شمس الأفق.

كنت عينيه، وكان بما تبقى من بصره يستمتع برحلة أخيرة، يهرب فيها من رعب الوقوف، ويترك البشر نقاطًا عالقة على جانب الطريق، ويتلذذ بسباب قادم من بعيد، من أمين شرطة في زاوية ما يتوعده بأنه سيسحب مركبته لو اقترب.

حرر (ع) يديه للحظات من المقود ولمس معدن مركبته البارد، وفتح عينيه على اتساعهما كي تواجه شمسُ حدقتيه شمسَ الأفق بلا خوف. وكان (ع) للمرة الأخيرة سعيدًا، سعادة لا يُمكن أن تصفها الكلمات! سعادة لا تكترث لو انتهت بنوم هادئ على جانب الطريق.

شارك