⁠العاشرة مساءً
٩٤٥ كلمة

”عاشق سارح في الملكوت“ من أكثر تترات المسلسلات القريبة إلى قلبي، تتر مسلسل خاتم سليمان (استمع للأغنية قبل قراءة المقال لضمان تجربة قراءة أصدق) يترك صوت ريهام عبد الحكيم في قلبي شعورًا غريبًا كلما سمعته، أحب الطريقة التي يبدو بها كأنها لا تحكي عن شخص بعينه، تصور أمامك إنسانًا يمشي في الحياة بقلب مفتوح أكثر مما ينبغي، تلمس ذلك الجزء الذي لا يكف عن البحث عن شيء لا يعرف كيف يسميه، إنسان يريد أن يعيش، لا أن يمر بالحياة فقط.

لكنني، في كل مرة أسمعه، أتوقف عند الجملة الأخيرة: ”ومافيش سمكة بتعشق حوت“ وأتساءل عن السمكة -تلك الصغيرة التي اعتادت حدود مائها الضحل- كيف أحبّت الحوت أصلًا؟ هل كانت تعرف، وهي تسبح نحوه، كم هو أكبر منها؟

وهل كان الفرق بينهما واضحًا منذ البداية، أم أن بعض الأشياء في هذا البحر الواسع لا ننتبه إلى مسافتها الحقيقية إلا بعد أن نتعلق بها؟ ماذا رأت فيه حتى بدا لها البحر، الذي عرفته طوال عمرها، مختلفًا؟

لهذا أحب حكاية السمكة والحوت هذه، الحكاية عن ذلك الشيء الذي نراه من بعيد، فنقترب منه في عمق هذا البحر دون أن نعرف تمامًا ما الذي نريده منه، أو ماذا سيفعل بنا حين نصل إليه.

عاشق سارح في الملكوت

أحب هذا الإنسان قبل أن أعرف ماذا سيحدث له، تمامًا كسمكة تتبع تيارًا غامضًا. شخص يبدو كأنه يحمل في داخله مساحة أكبر من حياته نفسها، وأكبر من البحر الذي يحتويها. لا يبدو كمن يعرف تمامًا إلى أين يذهب، لكنه لا يحتمل أن يمر العمر وهو واقف في المكان ذاته.

حياة أخرى يراها من بعيد، ولا يعرف إن كانت تنتظره فعلًا، لكنه لا يستطيع أن يتوقف عن النظر إليها، شيء في داخله يدفعه إلى الأمام داخل هذا التيار، حتى لو لم تكن أمامه خريطة.

يدفع في الحرية حياته
ولو اتكتف لحظة يموت

ما معنى أن تصبح الحرية بالنسبة إلى شخص ما حاجة لا يستطيع تأجيلها؟ ولماذا تبدو بعض الأرواح كأنها تضيق بالأقفاص أكثر من غيرها، حتى لو كان القفص مريحًا كقاع هادئ؟

وفي سبيل هذه الحرية يظل الإنسان يبحث، حتى وهو لا يعرف ما الذي يبحث عنه، كمن يسبح بلا ضفاف. يترك أشياء، ويبدأ أشياء، ويتعلق باحتمالات صغيرة، ويمنح نفسه فرصة بعد أخرى، عله يجد شيئًا في نهاية الطريق، ومن شدة بحثه عن شيء يشعره بأنه حر، يتعلق بما يمنحه هذا الشعور للحظة، ثم ينسى أن ينظر إلى القيد الذي يمكن أن يصنعه حوله.

قلبه بيبرق زي الماس
ولا يملك غير الإحساس
غرقان في جروحه وآلامه
وبيداوي في جروح الناس

هذا هو حاله دائمًا؛ يمضي بين الناس، يلتقط ما لا ينتبهون إليه، لأنه حين يحب، لا يعرف كيف يفعلها بنصف قلب. فلما جاء هذا الحب العظيم، لم يعرف كيف يقترب منه بحذر. وجد شيئًا يشبهه، فذهب إليه بكل ما يملك ”وباع قلبه للي يحبه بدون شروط“

لم يكن يعرف إلى أين سيأخذه هذا الحب، ولم يكن ذلك مهمًا في البداية، كان يكفيه أن هناك شيئًا ينتظره في الجهة الأخرى من البحر، ومع كل خطوة نحوه، كان يكبر في عينيه، مرة يكون هذا الحب شخصًا، ومرة حلمًا، ومرة حياة كاملة يمكن أن تبدأ من عنده.

لم يعد يكتفي بالنظر إليه من بعيد، بدأ يرى نفسه داخله، ويرى الأيام من خلاله، تمامًا كالسمكة حين يمر الحوت في بحرها، وفجأة لا يعود البحر كما كان، فتراه وترى معه كل ما تخيلته وهي تسبح نحوه.

طير في السما ومالوش عنوان
وفإيده خاتم سليمان
كان عايز بالضحكة يغير
ويدوب كل الأحزان

لم تعد هناك سمكة ولا حوت، ولا بحر له حدود، هناك طير في السماء، لا عنوان له، وفي يده خاتم يجعل المستحيل يبدو قريبًا، كأن الحلم، حين يكبر، يمنح صاحبه أجنحة. يصبح كل شيء ممكنًا، كأن العالم كله صار قابلًا لأن يُفهم أو يُغيّر من مجرد ضحكته فقط.

هل كان يظن فعلًا أنه يستطيع تغيير كل شيء؟ أم أننا نحتاج، في لحظات معينة، أن نصدق ذلك حتى نستطيع الاستمرار؟ لكن ماذا لو عشنا الحلم كأنه حقيقة؟ وماذا لو لم يصبح؟

قوم واتحرر من أوهامك
العمر بيخلص قدامك

صفعة من الأغنية على وجه الحالم العاشق ترجعه من الملكوت إلى الأرض. أشك في كون كلمة «أوهامك» عادلة. لأن بعض ما نسميه أوهامًا بعد أن ينتهي، كان في وقت ما الشيء الوحيد الذي جعلنا نتحرك.

لعل الحلم كان ناقصًا، ولعلنا كنا مخطئين في بعض توقعاتنا، لكننا عشناه. ضحكنا بسببه، خفنا بسببه، انتظرنا، وتغيرنا ونحن ننتظره. فهل يصبح كل ذلك وهمًا فقط لأنه لم ينتهِ بالطريقة التي أردناها؟

الطير مش هيطير في جهنم
ومافيش سمكة بتعشق حوت

لا أستطيع أن أتخيل السمكة وهي تسمع هذا الكلام وتعود ببساطة إلى مكانها الساكن. أفكر في اللحظة التي رأت فيها الحوت؛ ربما لم تكن تريد أن تصبح حوتًا، وربما لم تكن تريد امتلاكه أصلًا.

ربما كان يكفيها أنها رأت، للمرة الأولى، شيئًا جعل بحرها يبدو مختلفًا.

وهذا ما يربكني في الأشياء التي نحبها؛ أننا لا نعرف دائمًا إن كنا نريد الوصول إليها، أم نريد فقط أن نعرف إلى أين كان يمكن أن تأخذنا لو وصلنا. أحيانًا نظل سنوات نسأل أنفسنا عن الطريق الذي لم نسلكه، وعن الشخص الذي لم يبقَ، وعن الحياة التي لم نعشها، لأن جزءًا منا يظل واقفًا عند اللحظة التي كان فيها كل شيء ممكنًا.

وهذا هو الشيء الوحيد الذي أعرفه عن السمكة: أنها، حتى بعد أن تعرف أن الحوت أكبر منها، ستظل تتذكر أنها رأته ذات يوم. أما إلى أين تذهب بعد ذلك، فلا أعرف. قد تعود إلى بحرها، قد تواصل السباحة، وقد تجد شيئًا آخر. ويمكن في يوم بعيد، يمر الحوت مرة أخرى ولا يحدث شيء، أو يحدث كل شيء.

ومافيش سمكة بتعشق حوت

هكذا تقول الأغنية، وأنا، في كل مرة أسمعها، لا أعرف هل أصدقها أم أتساءل فقط:

ماذا لو كانت السمكة قد أحبته فعلًا؟ وأتذكر كل الأشياء التي أحببناها يومًا وظننا أنها أكبر منا.

الأشياء التي وقفنا أمامها ونحن نعرف المسافة، ومع ذلك ظللنا ننظر إليها، نمد أيدينا نحوها، ونحلم. وربما هذا وحده كان جزءًا من معنى أن نكون أحياء، أن نقف عند حدود الممكن، وننظر إلى الجهة الأخرى من البحر، ثم نسأل في سرّنا:

ماذا لو؟

شارك