15 ديسمبر 2024
أرسل صديقي الشاعر رسالة نصية مُباغتة، تضم قصيدة مبتورة، أعرف من تتابع الأبيات أن بطل قصيدته سوف يُواجه موته. لكن القصيدة وبطلها يقفان على الحافة، ظللت أحدق في برزخ الفراغ الأبيض الذي يسبح فيه بطل القصيدة بين الموت و الحياة، حتى باغتني صديقي برسالة أخرى:
أعرف أنني سوف أقتله، ولكن كيف يحضر الموت في قصيدة؟
كان سؤالًا يليق بشاعر، لم أمتلك إجابة فورية، تذكرت أغنية بوب ديلان الحزينة
Man in the Long Black Coat
حضر الموت فيها مثل عابر سبيل غامض، يلتحف بمعطف أسود، راقص الفتاة بلُطف، ثم ضمها في معطفه و رحل.
تذكرت أغنية
The Doors – Riders On The Storm
يستحضر فيها جيم موريسون الموت، باعتباره قاتلًا ينتظر على قارعة الطريق، لو وثقت به و اصطحبته بسيارتك، لن تذهب إلى وجهتك أبدًا، سيذهب هو بك إلى هلاكك.
كنت على حافة مشابهة لبطل القصيدة، مُمزق بين رقة ديلان و عنف موريسون، لم يحسم أحدهما الإجابة، جاء الحسم من نافذة الغرفة التي انفتحت بعنف إثر رياح ديسمبر، كانت الاجابة:
شتا
يناير 2008
أول مرة سمعت (شتا – محمد منير ) كنت في الثانوية العامة، حياتي بأكملها مُعسكر دراسة قاسي، روحي قُربان لسباق محموم على الدرجات، نصف درجة كفيلة بتغيير مُستقبلك 180 درجة، في تلك الأجواء، أعجبتني كلمات منير التي تٌشبه أنشودة عدمية، تسخر بقسوة من كل محاولة. من كل مسعى وكل لهاث.
حط الدبلة وحط الساعة
حط سجايره والولاعة
علق حلمه على الشماعة
طابور سحري يقف فيه الجميع، يتخففوا من كل ما يُمكن أن نحيا لأجله، المُحاولة، دبلة المحبوب، مزاج المُدخن، أحلام الفتية. و الأهم الساعة، الآلة التي تحسب بدقة زمنًا نلهث كي نلحق به.
فتنتني لذة أن أقف في طابور واحد مع صديقي (أ) الذي يفوت دروسه الخصوصية من أجل مواعدة فتاة يُحبها، و صديقي (ع) الذي يُنفق أموال الدروس على التبغ، و صديقي (س) الذي رفض السفر مع أسرته للمصيف السنوي كيلا يٌضيع لحظة دراسة واحدة. كلنا نقف في طابور واحد، مُستسلمين، لم يفز أحد!
اللي قضى العمر هزار
واللي قضى العمر بجد
شد لحاف الشتا م البرد
كانت أغنية «شتا» هي التمرد الوحيد اللامكترث، الذي أدندنه خفية أمام توقعات أبي، وضغوط المُعلمين، و قلق أمي، و ارتجافة يدي الباردة، خوفًا من أن أخذل حتى أحلامي نفسها.
16 ديسمبر 2024
وحدها الإبادة الجماعية هي ما يُجبر مصري يحيا في مناخ حار طوال العام تقريبًا، أن يبحث في الشبكة الافتراضية عن أعراض الهايبوثيرميا (انخفاض الحرارة) أو كيف يشعر رضيع يموت في خيمة منسية من البرد القارس؟
يقول chat gpt في حياد بارد أن إنخفاض حرارة الجسم تحت 35 مئوية، تُصيب المرء بنُعاس لذيذ، عندما يرتجف الجسم هذا يعني أنه يُحاول المقاومة، أما توقف الارتجاف و الاستسلام للنعاس، بقدر ما يبدو بريئًا، وبقدر ما يبدو صاحبه مُطمئنًا، فهو نذير الموت، لأنه يؤدي إلى نوم لا يستيقظ المرء منه أبدًا.
أرسلت إلى صديقي أغنية شتا، و أخبرته أن الشتاء هو أكثر الطرق خفة و روعًا للموت، لا يحضر الموت هنا مثل رجل غامض بمعطف أسود أو قاتل على ناصية إنما يأتي مثل حالة سحرية تكتنف المرء، توقف ارتجافه وتجعله يستسلم بلذة إلى حتفه، لذلك كان سلطانه ساحرًا، أخضع الجميع في القصيدة، الهادئ والثائر. من يشتاق الموت و من يفر منه، ومن يحتار في مواجهته.
بعد ما لف وبعد ما دار
بعد ما هدا وبعد ما ثار
بعد ما داب واشتاق واحتار
2014-2015
يُمكنك أن تعتبر أغنية شتا، أنشودة استسلام لا تعد بأي مقاومة، إلا في شطرة واحدة:
”دارى عيون عايزين يبتسموا“
يٌضحي بطل القصيدة بدبلته والتزامه تجاه حبيبته، بزمن ساعته، بمزاج دخانه، لكنه يرتكب خطيئة مقاومة واحدة، وهي إخفاء ابتسامة في عينيه، عن ملاك الموت القادم لأجله.
لماذا؟
خلال عام الجُندية، وجد أحد زملائي يومًا صورة مُخفاة بعناية في محفظتي، اشتعل فضوله لأنها ليست صورة شخصية، ولا صورة فنانة يعرفها، كانت صورة فتاة بسيطة تنظر بعيون آملة ومتأملة بينما يتدلى من أذنها قرط لؤلؤي.
أخبرته أنها صورة مصغرة للوحة شهيرة تُسمى ”الفتاة ذات القرط اللؤلؤي“ للفنان ”يوهانس فيرمير“، سألني ببداهة:
– ”من هي الفتاة؟“
أخبرته مُبتسمًا أنه لفظ بسؤاله واحدًا من أهم ألغاز الفن، احتار المؤرخون دومًا، من هي فتاة فيرمير؟
البعض اعتبرها ابنته، والبعض اعتبرها خادمته، آخرون رجحوا أنها ماجدالينا إبنة أحد الرُعاة الأثرياء لفنه.
أخبرني:
أنها تبدو فتاة عادية، لكن نظرتها…نظرتها غريبة، كأنها تطلب مني شيئًا لا أعرفه!
في عام 2024 أجرت شركة Neurensics بحثًا يحاول أن يفهم لماذا سحرت تلك اللوحة البسيطة آلاف البشر، ووجدوا أن اللوحة تثير ما يسمى «حلقة الانتباه المُستمرة»، المتلقي ينظر إلى عينيها ثم العقد اللؤلؤي ثم الفم ثم يعود إلى عينيها، ويُكرر هذا الترحال البصري حتى يقع في حب اللوحة.
اكتشفت التجربة أن الجزء الذي يُحفز بقوة في الدماغ خلال مشاهدة لوحة فيرمير هو الذي يتحكم في الوعي والهوية الشخصية.
كأن كل مُبصر للوحة، يُحاول أن يُطل على روح صاحبتها ويعرف هويتها، فقط من نظرتها، لأنها الشيء الوحيد الأصيل في اللوحة. أما قرط اللؤلؤ والثياب يُمكن أن تكون مُستعارة، تُمنح لخادمة أو ترتديها أميرة من خزانة ملابسها، لن نعرف أبدًا.
هل نظرة الفتاة، نظرة خادمة ترتدي قرطًا منحه إياها سيدها، خادمة تأمل و لو للحظات أن تتقمص دور أميرة، أم هي فتاة أحبت فيرمير وأرادت أن يمنحها نظرة حُب أبوية بدلًا من نظرة الفنان المسحور بموضوع جمالي للوحته.
كل ما تبقى من فتاة فيرمير هو نظرة، النظرة رسول عن العالم الداخلي، رسول ليس عما حدث لنا ولكن ما تمنينا أن يحدث، لو جاء ملاك الموت، سوف يسلبنا حياتنا، ممتلكاتنا، ما ربحناه، ما خسرناه، أما كل ما لم يحدث، كل ما تمنينا أن يحدث، كل ما نوينا أن نفعله لو امتلكنا فيضًا من شجاعة، كل ذلك يسكن نظرتنا.
النظرة تُمثل كل الممكنات الأخرى، كل ما كان يُمكن أن نكونه لو لم يأت الموت في تلك اللحظة.
أحببت فتاة فيرمير لإنها ماتت واقعيًا وتاريخيًا، لا نعرف شيئًا عما حدث لها حقًا، ولكن للمفارقة ما تبقى هو نظرتها، هو كل المُمكنات التي كان يمكن أن تحدث، يُمكننا أن نتخير منها ما شئنا.
لذلك يُمكن أن تكون النظرة هي المقاومة الوحيدة للموت، ابتسامة نطل بها على حيوات كان يُمكن أن نعيشها، حيوات لن يحاسبنا عليها ملاك الموت، ولا يحق له أن يراها ويسلبنا إياها
دارى عيون عايزين يبتسموا.
8 أغسطس 1962
سألت جدتي مرارًا، لماذا اختار جدي في ليلة ميلاد أمي، 8 أغسطس 1962 أن يسميها «أماني»، لم تمتلك إجابة مؤكدة، لكنها أخبرتني مرة، أن جدي تمنى أن تعوضه طفلته عن كل ما لم يكن عليه، عن كل جمال في هذا العالم لم يصيب منه شيء. عن شتاء طويل منحه لأجله القدر، فتاة صيفية في ليلة من أغسطس.
أحبت أمي اسمها كثيرًا، و أغرتها شاعرية كلمة «أماني» أن تحيا حياة مؤجلة دومًا، في انتظار أن تفرغ من زواجها وأطفالها، ورعايتها لأمها وأخيها وكل من حولها، وبعدها تتحقق لها أمنياتها، التي لم أعرفها يومًا.
ماتت أمي ولم أعرف أبدًا من نظرتها الأخيرة، هل كانت مبتسمة؟
هل امتلكت حياة لم تحدث، وممكنات أخفتها بعناية عن ملاك الموت في اللحظة الأخيرة؟
ديسمبر 2025
لا يؤمن صديقي الشاعر بالله، لكنه يؤمن بشدة بنظرية تُدعى «الأكوان الموازية»، أخبرته أن أحد أعمدة إيماني بالإسلام هي فكرة أن الأعمال بالنيات، أو شهود الإله لما كان يُمكن أن يحدث، لكنه بقى مثل سر في قلوبنا، حدث غير مُكتمل، يشهد الله ذلك ويضمه في نسيج كينونتنا، يصير المرء كل ما اجترح من القبيح والحسن، و كل ما نوى كذلك، و إن لم يتحقق يومًا.
عدالة إلهية تحفظ كل ما بقى في عيون مُبتسمة لم تستعد بعد للموت.
يؤمن صديقي بأن كوننا جزءًا من أكوان موازية تضم نٌسخًا أخرى منا، منحه إيمانه ذاك المخرج الشعري من فخ قصيدته، وقف بطله على الحافة، و قفز في شطرة بيت نحو موته، لكنه في الشطرة المٌقابلة وجد نفسه في عالم آخر، قابل فيه نٌسخة منه أكثر سعادة. نسخة لم تحتاج يومًا أن تقفز من حافة كي تتخلص من الألم.
لن أعرف أبدًا من هي فتاة لوحة فيرمير، لن أعرف شيئًا عن الأمنيات التي أخفاها جدي في الإسم الذي منحه لأمي، لن أعرف كذلك شيئًا عن الحياة التي أجلتها أمي مرارُا لأجلنا.
أفتح ألبوم الصور العتيق، وأنظر إلى عيني أمي وعيني جدي وأضع صورة مصغرة لفتاة فيرمير، تُطل عيونهم جميعًا من الصفحة بسر مبتسم كامن فيها، بقدر مخبوء، يحمل التمرد الأخير لأصحابه، تمرد لن يُسجل أبدًا في عُهدة ملاك الموت.
يخبرني صديقي ساخرًا، أننا لا نشترك في شيء من المُعتقدات أو وعود الخلاص إلا يقيننا بأننا سنموت.
اللي قضى العمر هزار
واللي قضى العمر بجد
شد لحاف الشتا من البرد
أؤمن بعالم آخر بعد الموت ويؤمن هو بأكوان راهنة تحوي نُسخًا لا تنتهي منه، نُسخ تحيا حكايات أخرى أجمل. لكنه رقّ قلبه لفكرة إله كلي الرحمة، ينظر لما تمنينا فعله وكأنه حدث، ورقّ قلبي لفكرة أن تكون أمي حية في كون موازي، تحيا نُسخة حققت كل ما تمنته، ولم يزورها الموت بعد.
اتفقنا فقط في نهاية مُكالمتنا أن حياة واحدة لا تكفي، وتمنينا أن يأتي موتنا في الشتاء لننال النهاية الشعرية، وتمنينا كذلك أن نواجهه بابتسامة عين تحتفي بكل ما تمنينا أن نكونه ونحياه.