طالما شعرت بحزن خاص حيال ”باول بيومر“، بطل رواية ”كل شيء هادئ على الجبهة الغربية“، فقبل أن يتم عامه العشرين، يُشحَن وأصدقاؤه لميدان القتال، تُلقى في أيديهم البنادق ويُؤمرون بخوض غمار حرب لم يختاروا للحظة أن يكونوا جزءًا منها. عند قراءتي للرواية مرة أخرى هذا العام، أدركت أن حزني على ”بيومر“ وجيله لم يكن سوى حزن مُقنَّع على نفسي وعلى جيلي من مواليد الألفية.
على عكس ”بيومر“ الجندي في الحرب العالمية الأولى، لم أحمل سلاحًا ولم أذهب إلى أي معركة. ومع هذا، فقد هُزمت وجيلي هزيمة فادحة دون أن يتسنى لنا حتى القتال دفاعًا عن أنفسنا.
طوال صفحات الرواية، يصف بيومر شعوره بالضياع. فجيله وقف على عتبات الحياة دون أن تنبت لهم فيها جذور، إذ عصفت بهم الحرب قبل أن يُكوِّن أي منهم أسرة أو يظفر بوظيفة.
ضياعُ جيلي أقلّ ملحميةً ربما، لكنه ليس أخفَّ وطأة. ففي أقل من عشرين عامًا مررنا بأزمة اقتصادية عالمية، وثورات هزت المنطقة، ووباء شل الكوكب، ومذابح لا تنتهي، وطفرة في الذكاء الاصطناعي تُهدِّد بإعادة تعريف مكان الإنسان في الاقتصاد.
وها نحن نقف اليوم على أعتاب حرب مجنونة أخرى تشتعل في منطقتنا المُبتلاة بالصراعات.
جعلت كل تلك الكوارث من الاستقرار حُلمًا بعيد المنال. فكأن أحدهم وضع بيننا وبين الحياة التي كانت توصف قبل جيلين بالعادية سياجًا من أشواك. تمامًا كجيل بيومر، صار تكوين أسرة واقتناء بيت والعمل بوظيفة مستقرة يبدو كأنه امتياز نادر لا مسار طبيعي للحياة.
الأشياء التي كانت تُعدّ بداية الطريق صارت اليوم نهايته، والوعود التي نشأنا عليها—أن الاجتهاد يكفي، وأن المستقبل يتحسن بطبيعته—تبدّدت واحدة تلو الأخرى.
لم تُسلب منا الحياة كما سُلبت من بيومر في الخنادق، لكنها أُرجئت إلى أجلٍ غير معلوم، كأننا جيل يقف طويلًا في غرفة الانتظار بينما تتأخر الحياة عن موعدها.
لكن أكثر غياب يؤثر فيّ ليس غيابًا ماديًا البتة. بشكل ما، لفّقت صُلحًا مع فكرة أنني قد لا أمتلك يومًا بيتًا، وأنني سأبقى على الأرجح متأرجحة بين الوظائف طبقًا لنزوات سوق العمل.
ما لم أستطع أن أتعايش معه حتى هذه اللحظة هو غياب المعنى، غياب السرديات الكبرى.
تتوالى علينا الأحداث الجسام، ومعها التغيرات التكنولوجية، بوتيرة أسرع بكثير من أن تترك لنا مساحة للتفكير أو لابتكار إطار يجعل ما نمرّ به مفهومًا.
فقد عاشت الأجيال السابقة في ظلال أفكار كبرى—كالشيوعية والرأسمالية والتحرر الوطني— وسرديات تمنح العالم معنى وتضع للفرد موقعًا داخله. كان المرء يعرف، أو يظن أنه يعرف، لماذا يعمل ولماذا يضحي ولأي مستقبل يتجه.
أما نحن، فقد وُلدنا في زمن تآكلت فيه تلك القصص الكبرى.
لم تعد الشيوعية تعد بعالم جديد، ولا تبدو الرأسمالية قادرة على الوفاء بوعدها القديم، ولم تعد الدولة الوطنية في كثير من الأماكن قادرة حتى على حماية حاضرها، فضلًا عن صياغة مستقبلها.
وهكذا وجدنا أنفسنا في عالم تتكاثر فيه الوقائع بينما تختفي القصة التي يمكن أن تجمعها.
نعيش في عالم غابت عنه السرديات لتحل محلها الميمز. فجيلنا لا يقل إبداعًا عمّا سبقه من أجيال، لكن بما أن الكوارث تنهال على رأسه بأسرع من قدرته على الفهم، فقد توجهنا بشكل جمعي للسخرية، رافعين شعار:
إن لم نستطع أن نفسّر العالم، فلنحوّله إلى نكتة.
في غياب الإطار الجامع الذي يفسر لنا موقعنا من الأحداث، تعطينا الميمز شعورًا خفيًا بالتضامن. ففي اللحظة التي أفتح فيها الانستجرام، تمر أمامي عشرات الصور التي توصف تمامًا ما أشعر به في ظرف معين، تقول لي تلك الصور بشكل ضمني أنني لست وحيدة. فهناك غرباء في أنحاء الأرض قاطبة يمرون بما أمر به ويتفاعلون معه بالطريقة نفسها.
ولهذا تبدو الميمز ابنة هذا العصر بامتياز؛ فهي سهلة الإنتاج وسريعة الاستهلاك، وتلائم تمامًا الوتيرة التي تتدفق بها الأحداث. لكنها ليست مجرد نكات عابرة. فهي، على نحو ما، محاولة جماعية لصناعة معنى في عالم فقد قصصه الكبرى.
كل صورة ساخرة، وكل تعليق لاذع، هو جزء صغير من حكاية يكتبها الغرباء معًا. حكاية مجزأة، ساخرة، وسريعة الزوال، لكنها تمنح لحظة قصيرة من الفهم المشترك.
لكن أن تكون طريقة مواجهتنا للكوارث ساخرةً على هذا النحو، فهو عَرَض لأن معاناتنا أثقل من أن نأخذها بجدية؛ فباستعارة كلمات بيومر: يمكنك أن تتحمّل كل رعب ممكن ما دمت تتجنب التفكير فيه، لكن إن حاولت أن تواجهه حقًا فذلك كفيل بأن يقتلك.
ولهذا، كما يروي، حين يعود الجنود خلف الخطوط يتحولون إلى سطحيين ومهرجين وعاطلين عن الجدية، لا لأنهم بلا إحساس، بل لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للنجاة. ”نريد فقط أن نواصل الحياة، بأي ثمن“.
ربما لهذا تبدو سخرية جيلي مألوفة على نحو غريب في صفحات الرواية. فنحن أيضًا نحاول، بطريقتنا الخاصة، أن ندير ظهورنا لرعب لا نستطيع تغييره، وأن نهاجمه بما تيسّر لنا من دعابة سوداء.
الميمز التي نضحك عليها ليست دائمًا تعبيرًا عن خفة، بل عن محاولة للبقاء، طريقة سريعة لنلتقط أنفاسنا قبل أن يداهمنا الخبر التالي.
وربما لا يتعلق الأمر بالأحداث وحدها، بل بإيقاع الزمن نفسه.
فكثيرًا ما يخيل إليّ أن العالم صار يتحرك بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به. ما إن نستوعب أزمة حتى تظهر أخرى، وما إن نفهم تقنية حتى تولد التي تليها.
الأحداث التي كانت تحتاج عقودًا لتتشكل أصبحت تتلاحق في سنوات قليلة، والأفكار التي كانت تعيش جيلًا كاملًا تولد وتموت في أعوام.
وربما لهذا يبدو جيلي أحيانًا كأنه يعيش في زمن مضغوط، زمن تتراكم فيه الوقائع أسرع من قدرتنا على فهمها.
وفي الفراغ بين حدث وآخر، بين كارثة وأخرى، نضحك.
ليس لأن العالم خفيف، بل لأنه أثقل من أن يُحتمَل.
نحن جيل وصل متأخرًا إلى عالم انتهت فيه القصص الكبرى،
ولم نكتشف بعد إن كان هذا الفراغ نهاية قصة أم بداية قصة لم نعرف كيف نرويها بعد.