كنت أمشي في شوارع مصر الجديدة التي أحبها، والشمس تصهر رأسي، وموجة حر جديدة تزيد من إحباطي؛ لا تكاد تنتهي واحدة حتى تُسلّم الأخرى. دخلت أول ”كافيه“ مكيّف أمامي تاركةً ورائي وعود محلات أخرى بأسماء كـ”سيروتونين“ و”دوبامين“، تستهدف من هم أصغر مني.
أما أنا فلا أعرف حقًا ما الذي يمكنه إصلاح كيمياء عقلي المرهق المشتت ليحصل على جرعة من التفاؤل أو النشاط هذه الأيام.
أول شيء فعلته هو شحن هاتفي، أشحنه في اليوم أكثر من مرة ليُفرغ الشحناتِ بلا مبالاة، فهاتفي عمره من معظم عمري في القاهرة. تركته يشحن وانطفأت تدريجيًا من آثار الحر محدقةً في الفراغ، والنادلة تؤكد طلبي باستغراب: ”هوت موكا؟“.
لا تعرف أن دمي ”عدني“، مما يعني شرب ”الشاهي“ الحار في عز حرارة الصيف ولهيبه. تنطفئ الكهرباء لساعات طويلة غير آدمية في عدن، فيواجه العدني الانطفاءَ بشرب ”الشاهي“ الحار وينطفئ معه تدريجيًا. لا تعرف النادلة أيضًا أن اليمني يفخر حين يعرف الناس أن ”موكا“ كلمة مشتقة من ميناء ”المخا“ التاريخي الأشهر لتصدير البن في اليمن.
ما الذي يهم؟
ليكن موكا أو مخا، ما الفرق؟
شعرت للحظة بأنني أمارس ”عدنيّتي“ المبتورة في مكان مكيّف بارد عكس العدنيين، مثلما كنت أمارسها في جو صنعاء. أبحث في القاهرة ربما —رغم حبي الشديد لها كما هي— عن صنعاء وعدن.. بل اليمن بأكملها. أبحث عن اليمن في ”الجزء القديم“ من القاهرة مع تحفظي على هذا اللفظ، في رحلات المراكب النيلية العادية، في الحدائق العامة التي تتقلص.
أبحث عنها في شوارع مصر الجديدة التي قلّت فيها الأشجار، و”فيلل“ المعادي القديمة المليئة بالأشجار الشاهقة، ووسط البلد الذي ربما لا يشبه اليمن في شيء سوى الروح.
أبحث عن اليمن.. أبحث عن صنعاء.. أشعرها قريبة، ولكنني أبعد ما أكون عنها الآن. كيف تبدو ولم أزرها سوى مرتين خلال أكثر من ثماني سنوات؟
طردت الخاطر وأمسكت هاتفي مقلّبةً حسابي على الفيسبوك الذي هجرته منذ ”السابع من أكتوبر“. لم أغلق حسابي حينها بهدف الهروب من الأخبار، وإنما لعدم قدرتي على التعاطي مع المشاعر التي تصلني من كل منشور. في البدء شعرت بمدى أنانيتي ربما، ولكن اتضح لي مع الوقت انعدام طاقتي مثل هاتفي تمامًا.
ظل شبح الذنب يحلق حولي، فأنا متمرسة بالشعور بالذنب منذ أن تركت اليمن في بداية 2017. بل أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الشعور بـ”ترف الذنب“؛ لأنه شعور فردي أخوضه وحدي، بينما أعيش حياةً أفضل من كثيرين أمثالي في منطقتنا الحزينة. ولكن لا يمنعني هذا الشعور من التساؤل بغضب: لمَ انساب المكان من بين أصابعي بسهولة هكذا؟ ولمَ أصبحت مرغمة على الابتعاد عن صنعاء وبلدي إلى هذا الحد؟
تذكرت زميلة قابلتها في الجامعة، كانت تحدثني بلهجة مصرية سلسة، غيّرتها إلى لهجتها السورية حين عرفت أنني من اليمن. شاركتني شعورها بالذنب في أول عامين من وصولها إلى مصر، وكيف أثّر ذلك على قدرتها على العيش بشكل طبيعي. حين رأت دموعي، قالت بنبرة حانية:
”بس بتعرفي.. هلأ اتقبلت إنه خلص بدي عيش.. بدي عيش وأحاول. صدقيني كلنا هيك في البداية“.
ها أنا ذا الآن، بعد كل هذه السنوات، لا أعرف إن كنت لا أزال أستطيع أن أتمنى شيئًا من هذا العالم سوى آلام محتملة.
تلقّيت إشعارًا من فيسبوك بصورة قديمة منذ تسع سنوات. بدا الزمن وكأنه توقف عند بداية كل الجنون في اليمن.
وقت موبوء بالانتظار والتوقعات والمحاولات التي تبدو هزيلة أمام القاهرة وإيقاعها السريع.
قبل هذه السنوات التسع، كنت أضيق ذرعًا ببطء صنعاء وببطء الحياة فيها وتململها ومحدوديتها أحيانًا وسط عالم يجري بجنون، خاصةً أنني كنت لا أزال أدرس مجال الهندسة الجاف وأتوق للتكنولوجيا والثورات التقنية.. ولكنني على الرغم من ضيقي كنت أدرك دائمًا حين أعود إليها مدى مثالية حياتي فيها بسبب كدّ والديَّ ومثابرتهما المستمرة وتوفيرهما لنا أفضل ما في الإمكان.
يظهر في الصورة حوش بيتنا في صنعاء، وورق الشجر يتناثر على أرضه بفعل المطر، والبرد يغلف الزهور. كان الوقت صيفًا في مدينة لا تعرف للحر سبيلًا، حيث درجات الحرارة لا تتجاوز الـ28 درجة.
يدهشني الأمر الآن، خاصةً أنني لم أعد أتذكر ملمس جو صنعاء على جسدي، ولا قلة الأكسجين التي يتحدث عنها الغريب لارتفاعها الشاهق.
هل كنت حقًا هناك؟
كيف اعتدت على هجير القاهرة؟
وكيف اعتدت سرعتها وهي لم تُسرّع خطواتي نحو أحلامي القديمة؟
أين ذهبت قدرتي على الحلم أساسًا بعد كل هذه السنوات؟
وكيف أصبحت أبحث في أيامي عن نجاة يومية من مشاعر الإحباط والشعور بالفشل الذريع؟
سعدت بمنظر المطر في الصورة، فلم أكن أخاف منه كما أخاف من أمطار القاهرة التي تشعرني بأنني ”سأتبهذل“ إن كنت خارج البيت، وعلى الرغم من طيبة أهل القاهرة وكرمهم. مطر صنعاء لم يُخفني رغم ضعف البنية التحتية وعدم وجود أية رومانسية في المشهد؛ فهناك أوقات كثيرة علقنا فيها بسبب السيول.
ولكنني رغم ذلك كنت أشعر دائمًا بالأمان، بأن هناك من سينتشلنا إذا ما غلبنا المطرُ والسيلُ، من جيراننا أو أصدقاء ومعارف والدي، أو أي أحد عابر في الطريق. هل لو عدت الآن إلى صنعاء لن أخاف من المطر؟
أنظر إلى الصورة وأنا أتخيل واقعًا ورديًا موازيًا يشبه صنعاء ولا يشبهها في شيء. أتخيل الأمطار وقد انتهت مخلّفةً برودةً منعشة، وضوء الشمس يتسلل إلى البيوت عبر ”القمريات“ التي تُلوّن الفضاءات كلها.
أتخيل صنعاء قد تحولت كلها إلى ”مقاشم“ كالجزء القديم منها، حين كانت هذه المساحات متنفسًا ومنتزهًا لكل الناس. أتخيل البيوت مزدانة بالجهنمية والفل والياسمين في معظم الأحياء، قبل أن ينحشر الخلق داخل عمائر طويلة وشقق ضيقة خلّفتها الرأسمالية وضيق الموارد المادية ويصبح اسم ”البيت“ ”فيلا“! أتخيل ماء المطر وقد ذهب ليسقي الزرع والأشجار، لا ليغرق الشوارع.
أن يشرب الناس قهوتهم من بن يمني لا ينافسه أي بن في العالم، ويتجولون بسهولة دون خوف ودون أسلحة على مرمى البصر، لينتشوا بجو صنعاء والخضرة المنتشرة في رحابها وعمارتها المميزة. أتخيل وجود إنارة كافية في الطريق لا تطغى على نجوم الليل الصافي في صنعاء..
أتخيل أنني أستطيع التنقل من صنعاء إلى كل مدن اليمن الساحرة متى أردت بسهولة ويسر، دون نقاط تفتيش وخوف من الموت وألم من ”الأوضاع“.
أتخيل لو أستطيع السفر إلى سقطرى، تلك التي رآها كل الناس سوى اليمنيين أنفسهم، ولا أجد جواز سفر يمنعني، ولا أضطر ربما لبيع كليتي حتى أحقق حلمًا يشبه هذا الحلم. بقيت أتخيل وأتخيل، حتى برد كوب ”الموكا“ المترف أمامي.
شعرت بحنق وغضب:
هل كنت حقًا أعامل صنعاء وكأنها قدر محتوم ومكان لا يتزعزع من حياتي؟
هل كنت لا أرى حقيقتها المؤلمة حتى قبل كل هذه الأوضاع المؤسفة الأخيرة؟
شربت من كوب الموكا دون انتشاء أو تلذذ، وفي داخلي صوت يتردد:
غاب نهارٌ آخر
غربتنا زادت نهار
كتبت في أغسطس 2025