⁠العاشرة مساءً
٤٩٦ كلمة

لماذا نقرأ الأدب؟ سألت نفسي هذا السؤال طيلة عام خدمتي العسكرية، طرحه على زملائي على استحياء أول الأمر ثم بفضول بادٍ ما لبث أن انقلب إلى سخرية وقحة، سخرية يحل محلها اهتمام وتقدير بمجرد أن يتغيّر عنوان الكتاب الذي في يدي إلى ”الأسس الأخلاقية للإسلام“ أو ”مختصر تاريخ العالم“ أو ”مقدمة ابن خلدون“.

يجتمعون حولي ويستمعون لتبسيط الكتاب، أغلبهم من ”ملح الأرض“ قليلو الحظ من التعليم، لسان حالهم يقول ”نعم هذا هو الكلام الجاد“. لا تصلح الرواية لأن تكون موضوعًا للكلام الجاد، ولهذا ينظرون إليها بعين الازدراء.

انتابتني رعدة عندما فكرت ماذا لو كنت قد جانبت الصواب وانشغلت بما لا قيمة له؟

ما هو موضوع الأدب ولِمَ أولع بقراءته؟

ذات يوم كنت أتأهب لقضاء خدمة ستمتد لثماني ساعات مع زميل لا يترك سانحة تمر دون أن يذكرني بمدى تفاهة الأدب، بالنسبة له العالم مكان واضح السمات والقسمات، ليس فيه من ملغز، ولكل سؤال إجابة لا تستعصي على فهم الأطفال.

بينما كنا نغير ملابسنا بين جمع من الزملاء، رآني أسحب رواية ”الجريمة والعقاب“ من حقيبتي.

-”رواية؟“ سأل بحماس من يستعد لوصلة من الضحك.

=”أيوه“
-”
لزمته ايه يعني، واحد نزل من السرفيس وطلع للسرفيس“

لا أذكر الآن تعبيراتي حينها ولكنها كانت على شاكلة ”الفن هو أسمى ما في الوجود“
قال متهكمًا:

-”بيتكلم زي عادل إمام“

ثم انفجروا جميعًا ضاحكين، ولم أملك إلا أن أشاركهم عدوى الضحك.

مرت نصف مدة الخدمة وكان الملل قد أخذ بزميلي كل مأخذ.

قال ”اقرأ لي“..

فرحت أتلو عليه حوار راسكلينكوف بطل الرواية ذائع الصيت مع سيمون مارمليدوف، حتى وصلت إلى ”لا بد للإنسان من أن يجد ولو مكانًا واحدًا يذهب إليه…“ قاطعتني آهة ندت عن زميلي، نظرت إليه وفهمت، كان يحن إلى بيته البعيد.

كان لزميلي شغف بمراقبة الغروب، يقدر جماله ويتابع تقلبات الألوان على صفحة السماء من الأصفر إلى الأحمر القاني إلى الأرجواني، ولأن موقعنا كان يكشف السماء والبحر قطع قراءتي حتى مرت ساعة الغروب، ثم أشار أن أكمل القراءة.
كنت أبدل لغة الدروبي الجزلة بألفاظ أقرب للعامية مع الإبقاء على المعنى المنشود. وزميلي من كان يستخف بالرواية ويشفق على من قرأها وقع أسيرًا لحكاية القاتل مضطرب الروح.
جمعتنا خدمات متتالية، تشاركنا فيها قسمًا كبيرًا من الرواية، نبدأ عند أول الخدمة ثم نأخذ استراحة الغروب ونكمل حتى آخر الليل. لم يعترف أنه رأى أجزاء من ذاته في كل شخصيات الرواية، منعه كبرياؤه.

ولكني عرفت بجلسات قراءتنا المشتركة ما هي قيمة الأدب وموضوعه.

التجربة الإنسانية عصية على التوصيف، وتلك هي المهمة التي يضطلع بها الأدب، وتجذبنا إليه المرة تلو المرة؛ قول ما لا يقال إلا سردًا في قصة أو شعرًا في قصيدة.
الإنسان كما نعرفه ونكونه لا يجد منفذًا يسع تجربته الفريدة في خصوصيتها والمتجاوزة في عموميتها، سوى الأدب.

الحياة في كليتها لا تجد انعكاسًا إلا في الصفحات المخطوطة بهدف أن تصف سيرورتها.

نتعلم من القراءة الأدبية القدرة على إدراك أن الأشياء الصغيرة كبيرة في الحقيقة وأن الأشياء الكبيرة ليست إلا تجمعات من الأشياء الصغيرة.

لصديقي عاشق الغروب والمحب السري لراسكلينكوف أقول:

ما سيخسره العالم لو توقفنا عن قراءة الأدب هو، عينه، ما سنفقده لو قررنا جميعًا تجاهل بهاء الغروب، باختصار، لن تكون الحياة خليقة بأن تعاش.

شارك