يمتلك جميع أطباء العيون نفس البيت في عيادتهم؛ بيت ريفي بعيد له سقف مثلث أحمر وجدران بيضاء، يتوسط مروجًا خضراء، وتعلوه سماء زرقاء صافية، وضبابية تغطي المشهد، بحيث لا تستطيع تمييز تفاصيله.
في المرة الأولى التي رأيته في بداية الطفولة، لم يكن لدي أي توقعات، لا أعرف شكل الجهاز أو طريقة الفحص، حدقت في البيت الموجود عند اللانهاية، ظننت أن الجهاز ربما قديم، أتساءل: كيف يمكن للنظر إلى هذه الصورة غير الواضحة أن يساعد في تحسين رؤيتي للعالم؟
يقول الطبيب إنني سأحتاج إلى نظارة طبية، وأن الطريقة التي أرى بها العالم معطوبة، ورغم أن أمي هي من لاحظت إسقاطي لبعض الكلمات أثناء القراءة، إلا أنها أبت تصديقه، ”سنذهب لطبيب آخر أفضل لفحصك“.
في عيادته الفخمة بالحي الراقي، أذهب محملًا بالتوقعات، وتجربة سابقة لأقارن بها هذه المرة، كل شيء أفضل، البناية، وكراسي الاستقبال، حتى الطبيب أكثر ودًا، توقعت أن أرى شيئًا مختلفًا، ربما فيلم كرتون مثلًا أو على الأقل صورة أوضح.
مفاجأة، نفس الجهاز، نفس البيت، نفس الضبابية.
سأعرف لاحقًا أن هذه الصورة مصممة لتكون ضبابية عمدًا، الغرض ليس اختبار قدرتك على رؤية التفاصيل، بل إجبار العين على الاسترخاء حتى لا يتدخل المخ في معالجة الصورة، فيمكن قياس النظر بدقة.
لكن عقلي لم يكن مستعدًا للاستسلام لهذه الحقيقة. بدأت كتلة الهلام المائي التي في جمجتي بتجميع أي معلومة من الصورة، ثم أملأ باقي التفاصيل من ذاكرتي، كل ما قرأت وسمعت وشاهدت.
كم طابقًا لهذا البيت؟ من يسكنه؟ هل لديهم أطفال؟ حيوان أليف؟ ما شكل الأثاث الداخلي؟
امتدت فخامة العيادة إلى مخيلتي، تخيلته بيتًا لأثرياء، وكأن سكانه ينتمون لهذا الحي وهذه العيادة، لكنهم في زاوية لا يراها إلا ضعاف البصر.
يقطع الطبيب كل ذلك مؤكدًا احتياجي للنظارة، تستفسر أمي منه مجددًا مستنكرة، وكأن من المفترض أن تشفى عيادته الفخمة وصيته الذائع وأجرته العالية قصر نظري. في داخلي أقول: لا بأس إذًا، ستكون هذه لعبتي، سأفتش في بيوت أجهزة الفحص كلها، متحديًا التصميم والغرض من الصورة، معتمدًا على توقعاتي وذاكرتي.
خارج العيادة، أعني في الحياة، اكتشفت أن هذا لا يحدث مع بيوت أجهزة الفحص فقط. هكذا يعمل عقلي إذًا؟ خطأ، هكذا تعمل كل العقول البشرية، ليس بنفس الوصف، أعني ليس كل من يذهب لطبيب العيون يفتش في بيوت أناس لا يعرفهم، ولكن بنفس الكيفية.
تكره عقولنا الفراغات، فتملؤها تلقائيًا بما تتوقعه أو تخافه، أفكار ينشط بعضها بعضًا، تُصدر نتائج سبق أن توقعتها، ثم تبحث في الحواس عما يؤكدها أو يصححها، يسمي علماء الأعصاب ذلك المعالجة التنبؤية.
ولأن الدماغ عضو مكلف، يستهلك تقريبًا خُمس طاقة الجسم لمعالجة المعلومات، يميل هذا الكسول الجالس في جماجمنا المظلمة إلى الاختصار، فبدلًا من معالجة كل الإشارات القادمة من الحواس، يكبح ما سبق توقع وجوده.
في اللحظة التي تقرأ فيها هذه الفقرة، يرقع عقلك نقطتين عمياوين في عينيك، في مكان خروج العصب البصري، حيث لا توجد أي مستقبلات ضوئية، لكنك لن تلاحظها لأن المخ ينسخ الألوان والملمس من المناطق المجاورة، ويضع الآں أٮصًا الٮڡاط الٮاڡصه ڡى هده الحمله، هكذا صمم الدماغ يرقع الناقص ويكمل الصورة.
لا يحدث هذا مع الصور والكلمات فقط، بل يصل إلى ما تعتقده عن جسدك، يكفي أن تذكر لمريض الأعراض الجانبية لدواء ما، حتى يطلق الدماغ مواد تزيد حساسية الألم، فتظهر الأعراض عليه، رغم أن الحبة فارغة من أي مادة فعالة، يُعرف هذا التأثير بـ النوسيبو (Nocebo) وتعني باللاتينية ”سأؤذيك“.
سيناريوهات كارثية في رؤوسنا لأشياء لم تحدث وربما لن تحدث، تفرز أجسادنا هرمونات الطوارئ كأن الكارثة وقعت، لا فرق بين الحقيقة والخيال. ألم حقيقي من العدم، وكيمياء تجري في العروق، لتتطابق الرواية بين ما يعتقده العقل وما يعيشه الجسد.
كذلك ما نعتقده عن الآخرين، لمحت مرة أثناء عبوري في عربة القطار الشخص الجالس خلفي، ثم أثناء الرحلة اكتشفت أنه يحدث شخصًا غير مرئي بصوت مسموع، رسمت له في عقلي الصورة النمطية للمجاذيب.
بنيت له بيتًا كاملًا أسكنته فيه عنوة، دون أخذ نظرة أطول لأتأكد من أن هذا فعلًا بيته، عند وصول القطار، التفت إليه لأجيب على سؤال طرحه علي، رجل في أواخر الأربعينيات، لبق ومنمق، حليق اللحية، يرتدي بدلة بنية ويتحدث بهدوء، لا شيء من هذا كله كان في البيت الذي بنيته، هكذا نعيش طوال الوقت خارج أجهزة الكشف.
تعمل أدمغتنا بهذه الطريقة بدافع الحذر الزائد، وتميل إلى التعامل مع توقعاتها كواقع لتوفير الطاقة والحفاظ على الهدوء، نرى العالم كما تخبرنا قصصنا الداخلية، قصص بنيناها على توقعاتنا ومخاوفنا وتجاربنا السابقة.
لا نستطيع التوقف عن هذه اللعبة فهي إحدى آليات بقائنا، التوقعات في الحياة هي الخريطة التي يحمي بها العقل نفسه من المجهول الذي يكرهه. نعيش في كأس نصف حقيقة ونصف وهم.
ربما كل ما نستطيع فعله هو أن نترك مساحة للشك والتساؤل، هل هذا حقيقي أم مجرد توقع؟ وأن نبحث عما يناقض ما افترضناه.
في المرة الأخيرة، أمام جهاز كشف النظر، لم أكن هناك لمعرفة قياس نظارتي، بل لمعرفة مصيري في التجنيد الإجباري، البيت في نهاية الطريق ما زال هناك، ضبابيًا كعادته، يستفزني للدخول، سأملأه بالقلق الذي يملأني، ولن أُسر بما في الداخل. أخبرت عقلي بأنني لا أود الدخول هذه المرة.
”لائق رمد لأداء الخدمة العسكرية“، هذا ما كتب.
تمنيت حينها، للحظات، لو كان بصري أضعف قليلًا، عطب بسيط آخر يكفي لمنحي الإعفاء، ثم أنبت نفسي على جحود النعمة، كيف تتمنى ضررًا حتميًا لدفع ضرر محتمل؟ ولماذا تعاود الآن بناء بيوت وهمية؟
أبحث عن وضوح هذا البيت طيلة عمري، واليوم أتمنى لو يختفي من أمامي وأختفي من كشوف المقبولين.
من يسكن البيوت التي في جهاز كشف النظر؟ لا أحد.
بيت خيالي في جهاز طبي لن تدخله أبدًا ولن تقابل سكانه.
تساءلت، كم بيتًا آخر في حياتي أظنه حقيقيًا؟ بيوت لأشخاص ومواقف ومستقبل، تغاضيت عن ضبابيتها وعدم وضوحها، وملأت فراغها في عقلي بتوقعاتي ومخاوفي وذكرياتي.
من يسكن حقًا هذه البيوت؟ لا أدري، سأعرف حين أقترب وأرى بنفسي.