مرحبًا، أنا السيدة نملة.
رجاءً تخلوا عن اندهاشكم قليلًا ودعوني أخبركم بقصة حياتي المثيرة للدهشة ربما.
كل صباح تستيقظ السيدة نملة على صوت قطرات الندى وهي تتدحرج فوق قوقعة الحلزون، فتفتح عينيها وتطل من بيتها العجيب، فلم تكن تسكن شجرةً ولا جحرًا، ولكنها تسكن فوق ظهر حلزون يحملها أينما ذهب.
لا تعرف كيف انتهى بها المطاف فوق ظهر الحلزون، لكنها موقنة أنها ولدت هناك. فوق تلك القوقعة التي تحمل شكل الزمن حين يقرر أن يصبح مرئيًا؛ طبقات من الأعوام تلتف حول بعضها في دوائر تحمل آثار المطر والجفاف والحزن والفرح، كأنها عام مضى أو ذكرى أبت أن تمحى، وكأن العمر لا يمضي حقًا بل يظل متراكمًا فوق ظهورنا في صمت، وكأنها تخبرنا أن الزمن لا يقاس بما يمر بل بما يتركه خلفه.
كانت ترى العالم من حولها بمنظور مختلف، فبينما يركض باقي النمل مسافات طويلة في دقائق ويلتهمون حبّات السكر، كانت هي تسافر ببطء شديد، فقد تمر ساعات والحلزون لم يقطع سوى بضعة أمتار، لكنها كانت تعتبر كل خطوة رحلة مليئة بالمغامرات.
في البداية ظنت السيدة نملة أن العالم يسبقها وأنها وحدها المتأخرة عن كل شيء، فكانت تشعر أنها تمر على هامش الزمن.
ولكنها ذات مساء أدركت أن الحياة ليست سباقًا واحدًا يخوضه الجميع بالسرعة ذاتها، فهناك من يعيش عمره وهو يعد المسافات، ومن يعيش عمره وهو يجمع الحكايات.
ولأنها كانت تسافر على ظهر حلزون أصبحت شاهدة على عالم لا يراه أحد، فحينما يمر الحلزون فوق ورقة خضراء كانت تشعر وكأنها تعبر غابة واسعة، وعندما تتجمع قطرات المطر فوق القوقعة كانت تراها بحيرات صغيرة تعكس أحلامها.
تعلمت أن الأشياء العظيمة لا تحدث فجأة، بل تنمو في صمت كما تفعل الأشجار، وكما تتشكل الغيوم، وكما يتغير الإنسان دون أن يشعر.
كانت تكتشف في كل يوم أن البطء يمنحها فرصة لرؤية الأشياء، أشياء لا يلاحظها الآخرون؛ تراقب تفاصيل الأوراق والتربة، وحركة الضوء بين الأعشاب، بينما باقي النمل منشغل بالركض المستمر.
مع الوقت بدأت تشك في حكمة السرعة التي يفضل نكهتها الجميع.
لماذا يقاس العمر والنجاح بما نصل إليه، لا بما نراه في الطريق؟ ولماذا يظن البعض أن التأخر عن الآخرين هو التأخر عن الحياة؟
لماذا نحتفي بمن قطع المسافة أسرع، ولا نسأل ماذا فاته وهو يركض؟ ولماذا نخشى التأخر أكثر مما نخشى أن نعبر أيامنا دون أن نشعر بها؟ لماذا جعلنا الزمن خصمًا يجب هزيمته بدلًا من أن يكون رفيقًا نتعرف من خلاله على الأيام؟
كنت أتساءل: لو أن الزهرة تفتحت قبل موعدها، هل ستصبح أجمل؟ ولو أن النهر تعجل طريقه إلى المصب، هل سيعرف بمن مر؟ ولو أن الغروب حدث في ثوانٍ معدودة، هل كنا سننال نفس نصيبنا من الدهشة؟
ثم ما معنى الوصول؟ أن تبلغ مكانًا كنت تريده؟ أم تصبح الشخص الذي كنت تبحث عنه في الرحلة؟
كانت هذه الأسئلة تتكاثر داخل السيدة نملة كلما ازداد الحلزون بطئًا، وفي الحقيقة لم يكن الحلزون بطيئًا، بل كان الزمن سريعًا من حوله أكثر مما ينبغي.
وفي إحدى الليالي الطويلة سألت الحلزون:
”أما زلت تحلم بالوصول إلى مكان ما؟“
فأجاب بعد تنهيدة:
”أحيانًا أرى أن الأماكن تتشابه، لكن ما يهم حقًا ما نراه في الطريق إليها.“
فصمتت السيدة نملة وأخذت تتأمل كلماته، ثم نظرت إلى الأفق الممتد أمامها والطريق الطويل الذي لم تصله بعد، ولأول مرة لم تشعر بالرغبة في الإسراع.
ربما لأن شيئًا ما بداخلها اكتمل، فطوال حياتها كانت تقارن حياتها بالآخرين. كانت ترى الفراشات وتحسدها على أجنحتها، والطيور على قدرتها على رؤية الحياة من أعلى.
كم مرة وقفت فوق قوقعة الحلزون تتخيل حياة أخرى؟ حياة لا تضطر فيها إلى انتظار أشياء لن تأتي، ولا مشاهدة الفرص وهي تمر ولا تستطيع اللحاق بها، فكانت ترى الحياة حفلاً كبيرًا وصل إليه الجميع في موعدهم إلا هي.
هل تضيع الفرصة لأنها مرت من أمامنا؟ أم لأنها مرت ونحن منشغلون بالنظر في حياة الآخرين؟
وكم من مرة بكيت على باب أُغلق بينما كانت النافذة خلفك؟
كانت هذه الأسئلة تؤلم السيدة نملة أكثر من أي إجابة، فالنمل -أو البشر- لا فرق كبير بينهم، يملكون قدرة عجيبة على البكاء على اللبن المسكوب وتحويل حياتهم إلى نادي مقارنات مع الآخرين، ثم يتعجبون لماذا لم يعرفوا ملامحهم.
أما هي فبدأت تعي شيئًا مختلفًا. لم تُخلق لتكون فراشةً ولا طيرًا، ولكن مهمتها الوحيدة أن تعيش حياتها هي.
كما أدركت أن بعض الأحلام لا تتأخر لأن الحياة قاسية، بل لأنها تحتاج نسخة أفضل من ذلك الذي بدأ الحلم أول مرة؛ أكثر صبرًا، وأكثر فهمًا، وأقل خوفًا من أن يصل متأخرًا.
فبعض الأشياء لا تنتظرنا عند نهاية الطريق، بل تنتظر الشخص القادر على رؤيتها.
ففوق ظهر الحلزون، تعلمت أن البطء ليس نقيض الحياة، بل إحدى طرق النظر إليها.