سين سؤال: ماذا يحدث لفرق الجهد بين طرفي موصل عند زيادة مقاومة الموصل مع ثبات شدة التيار المار به؟ أعرف ما يدور في بالك.. ما بداية المقالة هذه؟ اختبار فيزياء مفاجئ؟ من يبدأ مقالته هكذا؟ ”What happened to HELLO?!“ تساؤلات مشروعة بالطبع، ومفهومة. على كل حال: سنجيب على هذا السؤال سويًا، لكن بعد قليل.
في عنبر الطب النفسي، أخبرتني إحدى المحتجزات التي تعاني من اضطراب ثنائي القطب، وكانت قد دخلت المستشفى في موجة هَوَس {mania}، أنها تُحدّث الله ويحدثها، وأنها لا يصيبها قلقٌ قط، لأن رسائلها تأتيها مباشرة من الله، وأن الله كشف لها الحجاب، فهي ترى الزمن ككتاب مفتوح ولها صلاحية التعديل عليه. تسأل متعجبة: ”واحدة عارفة كل اللي هيحصل وتقدر تتحكم فيه وما فيش حاجة هتحصل غير لما تكون على مزاجها، تخاف إزاي؟“.. قلت لها دون تفكير: ”ما تخافش“.
أعيد الآن التفكير فيما قالت: ”واحدة ما فيش حاجة هتحصل غير لما تكون على مزاجها“، والله هذا بالضبط ما أحتاجه، ماذا يريد المرء غير أن الدنيا كلها تمشي على مزاجه؟ ما متطلبات هذا؟ ألوهية؟ أستغفر الله العظيم. نبوة؟ فاتت الفرصة؛ ولّى زمن النبوات وفات، حتى الأنبياء الدنيا ما بتمشيش على مزاجهم. وَهم؟ والله فكرة.. يمكن الحل في الوهم.
”أتمنى لو كنتُ نبيًا“.. كتبتها في مذكرات كيمياء الثانوية العامة. فُتِنت بفكرة الوحي والنبوة؛ أن يُحدِّث الإله شخصًا، أن يُفهِمَهُ جدوى ما كان ويخبره بما سيكون. يا لحظ الأنبياء وطمأنينتهم! تأتيهم رسائل من كاتب الأقدار، المصدر نفسه، تخبرهم أنهم من بعد غلبهم سيغلبون ليطمئنوا، وتسألهم أن لا يحزنهم الذين يسارعون. تقول لهم اسكنوا، واهبطوا، وتفسر لهم أسباب حدوث الأشياء.
يقولون أن القلق نِتاج استخدام الدماغ لقوته المعرفية لمعالجة حالة عدم اليقين المستمرة. ماذا يحمل لي المستقبل بين طياته؟ ماذا لو فقدت عزيزًا؟ ماذا لو لم يُرِدنا ما أردناه؟ علامات استفهام، وكل علامات الاستفهام مخيفة.
يقلقنا كل ما يخرج عن سيطرتنا؛ وما أكثر ما يقع خارج سيطرتنا!
أدرك الرواقيون ذلك، فحرصوا على التفرقة بين ما يدخل في دائرة التحكم وما يقع خارجها. نشأ من فلسفتهم نص ”صلاة السكينة“، الذي تبنته فيما بعد منظمة ”مدمنو الخمر المجهولون“: ”اللهم الهمني السكون لتقبّل ما لا أستطيع تغييره، والشجاعة لتغيير ما أستطيع تغييره، والحكمة لأعرف الفرق بينهما“.
لسنا آلهة، ومفاجأة الحلقة: لن نكون. لا سبيل لنا لمعرفة الغيب، وبناءً عليه: لا أمل لنا في الوصول إلى يقينٍ يقينا خوفنا. اليقين لمن يرى؛ ”أعندهُ عِلمُ الغيبِ فهو يرى“، ولن نرى.
ما الحل إذًا؟ تتذكرون السؤال الذي بدأنا به؟ نعم، سؤال الجهد والمقاومة الغريب هذا. أعتقد أن هذا وقتًا مناسبًا للإجابة عليه.
حسب قانون أوم: يزداد الجهد كلما ازدادت المقاومة. أتصورُ بساطة فهم هذا؛ دعكم من الكهرباء والفيزياء، فكروا في الأمر بتجردٍ أكثر: مقاومة أكبر = جهد أكبر، شغل أكبر، طاقة أكثر.. المشي في الوحل أصعب من المشي على الرصيف. مقاومة أكبر = فرهدة أكبر.
دعوني أمارس واحدة من هواياتي المفضلة وأسألكم سؤالا رياضيًا مفاجئًا مجددا، بناءً على ما تعلمناه من قانون أوم: كيف يمكننا تقليل الجهد؟ بالضبط، بتقليل المقاومة.
أخبرني صديق لي، يعمل مدربا للسباحة، أن أصعب إنسانٍ يمكن إنقاذه من الغرق هو من يحاول المقاومة. يتمنى صديقي أن يسمح له القانون بضرب جميع الحالات التي ينقذها ضربةً تُفقِدهم وعيهم فتمنعهم عن المقاومة التي تُؤذي الحالةَ والمُنقِذَ معًا، يخبرني أنه اضطر مرارًا أن يفعل ذلك. حتى أنهم يضطرون في بعض الحالات العصيّة أن يقفوا على مسافةٍ منها مراقبين لها حتى تُنهَك قواها وتكف عن المقاومة، ثم يتدخلون في الوقت المناسب لإنقاذها. ليست كل المقاومات محمودة إذا.
تسليم؟ استسلام؟ رضا؟ تقبُّل؟ سلبية؟ لفظ خارج آخر؟ سمِّها كما تُسمّها. المهم أن نتخلّى عن مطاردة ”وهم التحكم“.. عن رغباتنا في السيطرة على الأمور.. عن أوهامنا أن بإمكاننا أن نصبح آلهة تتحكم في مصائر الأشياء.
مسلم، مسيحي، بوذي، ملحد، نانسي عجرمي.. أيا تكُن مرجعيتك، أراهنك أنك ستجد فيها ما يحمل هذا المعنى.
ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولن تسبق أجلك، ولن تغلب قدرك، والدنيا حظوظ، فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما لم يكن لك فوالله لو اتشقلبت ما هتاخده.
ليست هذه دعوة للاستسلام ولا اقتراحًا أن يحب سيزيف صخرته.. ولا هي دعوة للتخلي عن الغضب وإبداء الاعتراضات. لا أجمل من الغضب، ولا ألذ من السب واللعن بين الحين والآخر. أنا من هواة إبداء الاعتراضات بشتى الطرق.
يُعلِّم المعالجون النفسيون مرضاهم فكرة ”القَبول الجَذري/Radical Acceptance“. يُشبِه مبدأهُ مبدأَ قانون أوم تمامًا، لكن بدلًا من الجهد وشدة التيّار، يمكننا صياغته رياضيًا على النحو التالي:
”المعاناة = الألم × المقاومة (عدم التقبل)“.
آخر سؤالٍ رياضي، أعدِكم، من العلاقة السابقة، إن كان الألمُ حتميًا، كيف يمكننا تقليل المعاناة؟ أحسنتم، بتقليل المقاومة.. أقسم أني فخورٌ بكم.
لا يطلب منا مبدأ التقبل الجذري أن نُحب واقعنا؛ لن يطلب منك عاقل أن تحب وجود الظلم مثلًا، لكن الظلم موجود، ولا يكترث لمشاعرك نحوه.
كل ما عليك هو قبول تلك الفكرة: أن جريان الأمور، على الرغم من اعتماده على كثير من العوامل، إلا أن رأيك فيها ليس واحدا منها. عاوز تشتم اشتم. عاوز تعيّط عيط، فقط ضع نصب عينيك حقيقة أن ذلك لن يغير في واقعك شيئا. ”لن يسقيَ دمعٌ أشجارك.. لن تبنيَ بالآهِ جدارك“.
طلب مني أحد الأصدقاء مرةً نصائح للمذاكرة، حينما علم أني أذاكر الجراحة مع أستاذٍ يتجنبه معظم الطلاب لطول وقت شرحه، سألني عن نصائح ينظم بها وقته فيتمكن من إنهاء كل محاضرات الشرح هذه في الوقت المطلوب كما فعلت. أخبرته أني لا أملك نصائحًا ذهبيةً ولا حلولًا سحرية، وليس عندي وصفةٌ سرّيةٌ تجعل يومي 36 ساعة بدلًا من 24، وأن سري الوحيد الذي مكنني من فعل ذلك أني جعلت جدول يومي كالتالي: استيقاظ.. مذاكرة.. نوم.
سألني إن كنت أستمتع بحياةٍ بهذا الملل، أخبرته: ”إن جالك الغصب.. خده بجميلة“.
بالطبع أريد فعل أشياء أخرى في يومي غير المذاكرة، لكن المذاكرة فُرِضَت عليّ فرضًا لا سبيلَ لهروبٍ منه، فاخترت أن أوهم نفسي بأني أعطي المذاكرة وقتي مختارًا، ”واللي كدا كدا هيتاخد مني عافية هاعمل نفسي سايبه جدعنة“.
إن كان لا بد من وهمٍ إذًا، فليكن وهم الاختيار لا وهم التحكم. أن نتقبل أقدارنا كما لو كانت من اختيارنا. أن نعلم أن سيران الأحداث لا يأبهُ لمشاعرنا. وبالطبع: ألّا يمنعنا ذلك من السب واللعن بين الحين والآخر حفاظًا على صحتنا.
فيا أيها الولد المكرس للندى، دع كل شيءٍ يحدث لك، جميلًا كان أم لم يكن، واترك نفسك للتيار.. لأنه، شئت أم أبيت، ما سيحدث سيحدث. ”تيأس.. ما تيأس.. الحياة راح تمُر“.
خفف مقاومة والعب صح. وعرفت تشوط من بعيد شوط، عرفت تجري اجري.. الملعب طويل، وكُرهك لطوله مش هيقصّره.. والدنيا، كما يقول عادل إمام على لسان الأفوكاتو لعبد الجبار: ”مقرفة، ولو رفضتها علشان هي مقرفة.. هتقرفك أكتر“. هي الدنيا كدا.
عندك اعتراضات على الدنيا؟ هتعمل إيه يعني؟ ابقى حط لها في الريڤيو نجمة.