⁠العاشرة مساءً
٤٠٢ كلمة

مرّت ثلاثة أيامٍ متتالية دون كوارث مفاجئة، أو مواعيد تسليم معقدة، أو أزمات تتطلب التدخل السريع، لم أشعر بالراحة… بل شعرت بالخطر. وقفتُ في منتصف الغرفة، أتفقد بريدي الإلكتروني، أراجع رسائلي، وأبحث عن شيءٍ ما معطل.

كان هناك صوت خفي يتسلل إلى رأسي ويقول بثبات مرعب: ”هناك خطأ“. لأنه ليس من الطبيعي أن تمر كل هذه الأيام دون مشكلة…

إنه الإدمان المستتر الذي لا نتحدث عنه كثيرًا: إدمان حالة الطوارئ. نحن أبناء البيئات التي لا تهدأ، الذين اعتادوا أن يُقاس وجودهم بقدرتهم على الشحن المتواصل وحل الأزمات، نصل في مرحلة ما إلى فخ خطير.

نتحول إلى محاربين لا يعرفون ماذا يفعلون بأسلحتهم عندما تنتهي الحرب.. تصبح السكينة بالنسبة لنا تهديدًا، والهدوء مظهرًا من مظاهر الفشل، والاسترخاء مجرد ”عطل“ غير مبرر يجب إصلاحه فورًا!

تتسلل هذه الفكرة إلى كل تفاصيل يومك.. في العمل؛ إن لم تجد مشروعًا يعتصر طاقتك حتى آخر رمق، تخلق بنفسك تفاصيل معقدة وتؤخّر التسليم حتى اللحظات الأخيرة لتضمن أنك ما زلت تحت الضغط.

في العلاقات؛ تبتعد عن المرافئ الهادئة وتنجذب نحو العلاقات المعقدة أو المشحونة، لأن الحب البسيط الخالي من الدراما يبدو لك غير حقيقي أو ممل. في علاقتك بنفسك؛ تبدأ في خلق معارك داخلية وجلد ذاتي لا يتوقف، فقط لكي تبقى الماكينة تعمل بكامل طاقتها.

لقد دربنا أنفسنا على النجاة في قلب الحريق، حتى أصبحت أدخنة الحرائق هي الأكسجين الوحيد الذي نعرف كيف نتنفسه.

المشكلة الحقيقية أن كل هذه الأحداث تمنحك إحساسًا زائفًا بالأهمية والقوة. يراك العالم منقذًا لا ينام، وشخصًا صلبًا يتصدى للأزمات طوال الوقت.

لكن خلف هذا القناع الحجري، تكمن حقيقة أليمة: أنت تهرب إلى المشاكل الخارجية، كي لا تواجه الفراغ المرعب الذي سينكشف عندما يسكن كل شيء. أنت تخاف من الهدوء، لأن الهدوء سيجبرك على جلوسك مع نفسك دون مشتتات.

سيجبرك على التفكير في أوجاعك المؤجلة، في أحلامك المهملة، وفي ذاك الطفل المرعوب بداخلك، والذي يحاول طوال الوقت أن يثبت للعالم أنه يستحق الوجود فقط لأنه يحل المشاكل.

لماذا لا تتوقف لوضع حد لكل هذا؟

أن تعيش في مشكلة مستمرة ليس دليلًا على الشغف أو الانضباط أو القوة؛ بل هو مجرد آلية دفاعية قديمة أصبحت تؤذيك أكثر مما تحميك.. الحياة ليست معركة مستمرة تطلب منك الوقوف عند خنادق الدقائق والساعات طوال العمر.

تعلم كيف تتنفس في المساحات الهادئة دون ذنب، وأدرك أن قيمتك لا تتحدد بحجم الحرائق التي تطفئها كل صباح. ليس عليك أن تكون في مشكلة لتشعر أنك على قيد الحياة… أحيانًا، أكبر إنجاز يمكنك تحقيقه هو أن تدع اليوم يمر بسلام، بصمت، دون أزمات، ودون أن تكسر هذا السلام بيدك.

شارك