الثانية ظهرًا
١١٨٤ كلمة

2023، التاسع عشر من فبراير تحديدًا.

في الاستوديو الذي استأجرته قبل عام، اجتاحتني موجة غثيان شديدة، تصاحبها رفرفة قلبية تشبه دقّ الطبول الأفريقية، ويدان راقصتان ليستا قادرتين على حمل شيء. أعرف أنها نوبة هلع. كنت قد تصالحت — أو بالأحرى تعوّدت — على نوبات هلعي، وتعلّمت كيف أتعامل معها. تناولت حبة إندرال، ولاستكمال طقوس استعادة الذات، فردت سجادة الصلاة التي أستخدمها تارةً لأداء فروضي، وأخرى لممارسة التأمل، بينما يرشدني صوت فتاة إنجليزية، هادئ لكنه حازم: شهيق… حبس النفس… ثم زفير بطيء.

أنهيت الجلسة. عشر دقائق كاملة، وما زالت نوبة الهلع كما هي. لم تكن تمتد معي كل هذا الوقت. يا الله، يا لطيف.

من قراءتي، علمت أن نوبة الهلع قد تمتد ساعةً كاملةً، لكن ذلك لم يحدث معي من قبل. فكرت: ربما جلسة تأمل أخرى قد تجدي نفعًا. من جديد، جلست مستقيمة الظهر، مغمضة العينين، أحاول أن أمنح نفسي كاملةً لذلك الصوت الهادئ. شهيق… زفير.

انتهت الدقائق العشر مجددًا، وأنا كما أنا. أشعر أن الاستوديو يضيق بي أكثر مما تضيق بي جغرافيته.

رأتني رفيقة السكن أذرع الصالة جيئةً وذهابًا، بتنفس هادر كأن موتورًا ساخنًا على وشك الانفجار.

أنتِ كويسة؟ سألتني.

لا… حاسة إني محتاجة أروح المستشفى.

تزورني فكرة عابرة: هذا الألم مألوف، وهذا الغثيان الممتد ليس غريبًا عليّ. اختبرته من قبل، وتحديدًا في عام الحزن الفائت، في شتائي الطبي.

امتحانات السنة الرابعة.

ربيع الطب الذي تحوّل إلى شتاء عاتٍ على حظّي.

كنت ضمن أول دفعة في النظام الجديد بجامعة إقليمية لم يمضِ على إنشاء كلية الطب فيها سوى خمس سنوات قبل التحاقي بها. كانت الكلية ما تزال تصارع لترسيخ النظام القديم الذي استمر عقودًا في مصر، فإذا بالنظام الجديد يطرق أبواب البلاد كلها دفعة واحدة.

كنا فئران تجارب بلا هوادة، وكنت أنا هامستر وجد عجلة دوّارة في قفصه، فقفز عليها ولم يغادرها حتى بعدما استنزفت عضلاته وتآكلت أربطته.

طوال سنواتي الأربع، كنت أجري والعجلة تجري بي. انقطعت أنفاسي وتوقفت، بينما ظلت العجلة تدور بفعل القصور الذاتي.

في كلية الطب، لا خيار سوى الاستمرارية. الانهيار رفاهية لا تشملنا. وإن كانت الاستمرارية واجبة مرة في النظام القديم، فهي الآن واجبة عشر مرات. يكفي أنك إن قررت التقاط أنفاسك، وجدت امتحان نهاية الموديول على رأس كل شهر جديد، يذكّرك بإهمالك، ويدفعك نحو هاوية الذنب والتقصير.

حين وجدتني على تلك الحال، وفشلت كل طرقي المعتادة في تهدئتي، أيقنت أنني بحاجة إلى مساعدة أكبر من حدودي.

ذهبت إلى المستشفى الجامعي القريب من سكني. صعدت إلى الدور الأول، ثم جمّدني الخوف: لا يوجد استقبال، وموعد العيادات قد انتهى.

ماذا سأقول لهم؟ لم تكن تربطني علاقة وطيدة بأحد النواب حتى أسرّ إليه بمكنون ذاتي. كنت أجد صعوبة في الاعتراف، أمام زملاء المهنة الأكبر مني، أنني معطوبة؛ أعاني قلقًا أو اكتئابًا. كنت أخاف أن أرى في أعينهم — ولو لمحة عابرة — أنني لست جديرة بهذا المكان.

وحتى لو كانت لي علاقة بأحد، فأنا أجد صعوبة عويصة في طلب المساعدة.

كيف أقول إنني قلقة، خاصة أنني أعرف أن رجفان قلبي، وتراقص يدي، وانقطاع نفسي، ناتجة عن أسباب نفسية لا أعراض جسدية؟ أنا ضيفة مزمنة لدى القلق. يلازمني طوال حياتي، حتى في أشد أوقاتي سعادةً وحميمية.

دفعني خوفي بعيدًا عن الجامعة ومشفاها. استقللت ميكروباصًا، وفي منتصف الطريق هاجمتني موجة غثيان عنيفة، لكنها أبت أن ترحل خالية الوفاض؛ قررت أن تأخذ معها كل ما في جوفي.

أدركت، مرغمةً، ما يحدث. وجدتني أصرخ:

كيس… كيس…

وأشير بيدي أنني أريد أن أتقيأ.

ولحسن حظي كانت الصفوف الخلفية كلها لفتيات من الجامعة.

مالت عليّ إحداهن:

هي عندك؟

هززت رأسي بالنفي.

أمال مالِك؟

دايخة شوية بس.

شعرت، من نظرتها، أنني شاحبة كالموتى. وترقرقت غلالة بيضاء على عينيّ، جعلت الرؤية ضبابية.

توجهت مباشرة إلى الصيدلية. طلبت حبوبًا مضادة للقلق وكوب ماء. تجرعت الحبة في الصيدلية على الفور. رأيت أنني نلت نصيبي من المعاناة لهذا اليوم.

سأعود إلى سكني، أتدثر بالبطانية، وأتقوقع تحتها كجنين.

جنين!

ليت أمي لم تلدني. كان المعري على حق:

”هذا ما جناه أبي عليّ.“

فتحت هاتفي قاصدةً التقويم.

أهو هو؟

تأكدت أن اليوم يوافق الذكرى السنوية لبداية امتحانات السنة الرابعة. ولزيادة التأكد، أرسلت رسالة إلى جروب الدفعة أسألهم، فجاءني التأكيد.

حينها بدأت أبحث عن أعراضي، فتعرّفت إلى المصطلح للمرة الأولى:

”الذكرى السنوية للصدمة“ (Traumaversary).

إذًا، كان هاني شاكر على حق حين غنّى:

قرب يا قلبي من الشموع

الليلة عيد أصعب دموع

عيد ميلاد جرحي أنا

عيد ميلاد جرحي أنا

ما هي الذكرى السنوية للصدمة؟

غالبًا ما ترتبط الذكرى السنوية في أذهاننا بالورود والشيكولاتة، لارتباطها تقليديًا بذكرى الزواج أو التخرج أو أعياد الميلاد. لكن ليست كل الذكريات باعثة على البهجة؛ فهناك ذكريات ارتبطت في أذهاننا بالألم، مثل وفاة شخص عزيز، أو تشخيص بمرض خطير، أو كارثة طبيعية، أو اعتداء إرهابي. وتلك الذكريات لها سنويتها أيضًا.

عندما يقع حدث صادم، يمتلك الجسد أدواته الخاصة لمواجهة الخطر المحدق: القتال، أو الهروب، أو التجمد، أو الاسترضاء. قد ننجو جسديًا من الخطر، لكن الصدمة تظل مختزنة في ذاكرة الجسد وذاكرتنا العاطفية، لأنها لم تُعالَج بالكامل.

نصبح شديدي الحساسية لكل ما له صلة بذلك الحدث؛ فأي شيء يذكّرنا به قد يعيد تنشيط المشاعر نفسها التي مررنا بها أثناء وقوعه، حتى وإن لم يكن هناك خطر حقيقي.

وأحد هذه المحفزات هو اقتراب الذكرى السنوية للصدمة. يتأهب الجسد من جديد، وترتفع مستويات الكورتيزول، ويعمّم حالة الطوارئ على ما يعتبره تهديدات محتملة.

وتُعدّ الصدمة تجربة فردية للغاية؛ فما قد يكون صادمًا لشخص، قد لا يترك الأثر نفسه لدى آخر. فالنقطة المفصلية هنا ليست الحدث ذاته، بل الكيفية التي يخزّن بها الجسد والعقل مشاعر ذلك الحدث.

فعلى سبيل المثال، قد يتعرض شخصان لحادث سيارة واحد؛ يعود أحدهما إلى القيادة خلال أيام، بينما قد يعاني الآخر القلق أو نوبات الهلع من مجرد رؤية عجلة القيادة.

والسؤال المشروع هنا:

هل يتعمد العقل إقامة عدٍّ تنازليٍّ من 365 يومًا، وكأنه يريد زيارة الصدمة من جديد؟

في الحقيقة، يرتبط الأمر أكثر بحساسية الجسد للبيئة المحيطة، مثل تغيرات الفصول وأنماط الطقس. لذلك، فإن وقوع الصدمة في موسم معيّن قد يخلق محفزًا يستدعيها من جديد، فكأن الجسد يمتلك خطًا زمنيًا يستحضر الفترة التي حدثت فيها صدمتنا.

يتحسن شعور معظم الناس خلال أسبوع أو أسبوعين بعد مرور ذكرى الحدث الصادم، ومع الوقت تصبح المحنة أقل وطأة، خاصة حين ندرك أن ما نشعر به قد يكون مرتبطًا بسنوية الصدمة.

طرق للخروج من العاصفة

ولأن المشاعر كانت غامرة، ولم تُجدِ طرقي التقليدية في إعادتي إلى طبيعتي، شرعت في رحلة بحث مكثفة عمّا ينتابني، ولماذا يزورني بهذه الشدة.

كانت تمارين التنفس الملجأ الأول لتهدئة جهازي العصبي، الذي يرى خطرًا في كل ما يحيط بي، رغم أنني في غرفتي وعلى سريري.

أما الكتابة، فرغم صعوبتها الشديدة في ذروة القلق، فإنها تُجدي نفعًا خلال الأسبوع الأول من الذكرى. تأتي قوة الكتابة من مساعدتنا على الاعتراف بالمشاعر المعقدة. فهي تساعدنا، ببطء لكن بثبات، على التعبير عن الأفكار والمشاعر التي نجد صعوبة في قولها بصوت عالٍ.

وتظل ممارسة الرحمة والرأفة بالذات المفتاح السحري للخروج من العاصفة بأمان. فبدلًا من إلهاء أنفسنا بجدول أعمال مزدحم، أو تفريغ أنفسنا كليًا والانغماس في الحزن، يكمن الحل في التخطيط ليوم تكون الأولوية فيه للرعاية الذاتية..

بما تشمله من إعداد طعام منزلي سهل التحضير ولطيف على المعدة، والاستناد إلى الأحباء وشبكات الدعم، وإحاطة أنفسنا بمن يحترمون حدودنا ويصغون إلينا دون إصدار أحكام، وشرب الأعشاب المهدئة للأعصاب، والاستمتاع بمسلسل لطيف أو رواية خفيفة، أو حتى الانغماس في حالة استرخاء تحيط بها الزيوت العطرية.

إن تكريم ذكرى الصدمة لا يعني فقط الاعتراف بما واجهناه من ألم، بل يعني أيضًا الاعتراف بنجاتنا منه.

فهي تشهد على قدرتنا على تجاوز الشدائد، وعلى إعادة إحياء أنفسنا من الرماد.

ليس الجميع محظوظين بما يكفي للنجاة..

لكن ها نحن هنا.

شارك