يقولون: ”الحياة رحلة، تكمن روعتها في الطريق لا في الوجهة“، وهي مقولة شاعرية توحي -ضمنيًا- بأنك وحدك الجالس على مقعد السائق ممسكًا بالمقود، بينما تملك خيار الاستمتاع بالمشهد الممتد عبر النافذة.
لكن، ماذا لو خُطف هذا المقود منك فجأة وأُزحت إلى مقعد الراكب دون حول أو قوة؟
وحين التفت لتواجه ذلك المجنون الذي احتل مكانك، لم تجد سائقًا متهورًا، بل كائنًا ضئيلاً تدور عيناه في محجريهما، ويرتجف ذعرًا لتتحول معه رحلتك إلى معركة لا تنتهي؟
في هذه المساحة أكشف لك كيف تولى كلبٌ ورديٌ مذعور أمر حياتي، وكيف علمني خوفه الكثير عن الشجاعة والنجاة.
لسنواتٍ طوال، توهمت أن نجاح رحلتي لا يتطلب سوى إتقان فن السيطرة؛ فأحكمت قبضتي على المقود متحسبةً لكل منعطف، لكن للمفارقة، تحولت كل عقبةٍ في طريقي إلى تهديد داهمٍ لم يرَه سواي، وكلما بالغت في التحكم، فقدت السيطرة وانحرفت نحو مسارات لم تكن يومًا في حسباني.
في ذروة ذلك التخبط؛ تكشفت لي الحقيقة، فلم تكن يداي هما اللتان تقودان، ولأن كلمة ”قلق“ بدت قاصرةً وجامدة أمام ما أشعر به، كان لا بد من حيلة نفسية تُعرف باسم (Externalization)
والتي تعني أن أخرج هذا الشعور من داخلي، وأفصله عن هويتي لأتمكن من رؤيته بوضوح، وحين فعلت؛ تجسد قلقي القابض على المقود فورًا متخذًا هيئة كلب يدعى كوريدج.
نعم، إنه كوريدج (Courage)؛ الكلب الوردي بطل المسلسل الكرتوني الغريب (courage the cowardly dog) والذي عرفه كثيرون منا في وقتٍ ما -ولا يزال متاحًا للمشاهدة- هذا الكلب يشي اسمه بشجاعةٍ هو نقيضها تمامًا؛ فهو كائنٌ مذعورٌ يخشى كل شيء تقريبًا.
يعيش في كنف ”ميوريال“، السيدة التي تبنته وغمرته بعطفها، وزوجها ”يوستاس“ الناقم العبوس في بيتٍ يقع بقلب المجهول (Nowhere) حيث يواجه هذا الجبان وحوشًا لا يراها غيره، فيصرخ ويرتعد، لكنه -ويا للمفارقة- وحده من ينجح في حمايتهم كل مرة.
تلك الحبكة والرسوم الغريبة جعلت العمل يخرج من عباءة الرسوم الكرتونية الموجهة للأطفال، ليلامس بعمق خبايا الرعب الوجودي لدى الكبار، وتُنسج حوله أعمق النظريات النفسية، ومن ثم فإن تلك الطبيعة العميقة للمسلسل لم تكن بالنسبة لي مجرد تحليل فني، بل كانت ”المرآة“ التي احتجتها.
حين أمعنت النظر، رأيت في ”كوريدج“ قلقي المتجسد والمحرك الخفي لحياتي كلها؛ ذاك القلق الذي يهمس دومًا: ”هناك خطبٌ ما“، يرى عند كل منعطف مفاجأة قاتلة، وفي كل تأخير كارثة محققة، ويحول أي صمت إلى إنذار مدوٍ لا يتوقف، يصير معه الاستمتاع بالرحلة أمرًا مستحيلًا، وتتحول عبره السيطرة إلى وعدٍ كاذب بالنجاة.
تلك الرؤية الشاملة حولت ذعري إلى مساحةٍ من التأمل المتعاطف؛ فهذا الكلب المرتجف كان يحاول حمايتي بالطريقة الوحيدة التي يعرفها: يستشعر التهديد عند كل منعطف فيصرخ ويرتعد، ثم يضغط دواستي الوقود والمكابح معًا في محاولة يائسة للنجاة.
هذا التناقض الحاد بين التوقف والانطلاق لم يكن نابعًا من عطبٍ فيه أو جنونٍ أصابه، بل كان -ببساطة- طريقته الخاصة في الحب والحماية؛ فقد كان يلمح الأذى حيث لم ألاحظ، ويرى في كل خطوةٍ للأمام نذيرَ خطر، فحمل هذا الكائن الضئيل -وحده- عبء مصارعة وحوشي الوهمية، حتى أدركتُ أخيرًا أن ذعره المستمر لم يكن سوى وجهٍ آخر لشجاعته الباسلة.
هذه الشجاعة غفلت عنها لسنوات حين كنت أتوهم أنني لو تمكنت فقط من انتزاع المقود لأوقفت هذا الجنون؛ فمارست عليه كل أشكال القمع؛ تارةً بالتجاهل، وتارةً بالصراخ في وجهه ليخرس، بل وصل بي اليأس أحيانًا لمحاولة حشره في صندوق السيارة الخلفي وإغلاقه؛ لأكمل أنا الطريق دونه.
ما غاب عني حينها أن تلك القسوة لم تمنحنا الهدوء يومًا، بل كانت وقودًا أشعل نار رعبه؛ فكلما حبسته أو تجاهلته، فسر ذلك بأنني تخليت عن حذري واستهنت بالمخاطر؛ فتزداد استماتته في المقاومة، لا ليزعجني، بل لإيمانه الراسخ بأن حياتي في خطر، وأن عليه إنقاذي مهما كلفه الأمر.
هذا الفهم فتح عيني على اتساعهما، ودفعني نحو التحول الأصعب في رحلتي: أن أكف عن مصارعته، وأتعلم مصاحبته.
قررتُ الكف عن محاولاتي المستميتة للتخلص منه، وعوضًا عن ذلك؛ أخرجته من العتمة وأجلسته في مكانه الصحيح: ليس على مقعد السائق هذه المرة، بل بالمقعد المجاور، فأنا من سيتولى القيادة.
فتحت الباب لتعاطفٍ يساعدني على رؤية العالم من خلال عينيه الجاحظتين لفهم ما يروعه حقًا، فحين يصرخ من وهمٍ أرعبه؛ أربتُ عليه وأشكره بود، ثم أشرح له أن الوحش ليس إلا ظلًا عابرًا، أما حين يكون نباحه صادقًا والخطر حقيقيًا، لم أعد أتجاهله؛ بل صرت آخذ تحذيره بجدية، أشد على المقود وأنتبه للطريق.
لم يعد هدفي تحويله فجأة إلى كلبٍ شجاع، أو مصادرة حقه في الخوف، بل طمأنته بأن هناك بالغًا يتولى الأمور، وأننا لن نسقط في الهاوية، ومع الوقت، وبدلًا من خطف المقود عند كل منعطف؛ بدأ يكتفي بالجلوس جانبي، يرتعش في صمت، ثم يراقب الطريق بحذر، لكنه مثلي يتعلم كيف يثق أخيرًا في السائق، ويعلم أن صوته مسموع.
عند هذا المنحنى الجديد من الرحلة، تجلت لي الحكمة العميقة -والساخرة- في تسمية هذا الكلب المذعور بـ ”كوريدج“ (شجاعة)؛ فالاسم لم يكن خطأً أو صدفة، بل هو التعريف الأدق للحقيقة التي غابت عني:
الشجاعة ليست في غياب الخوف، ولا في امتلاك السيطرة المطلقة، بل هي ما يحدث حين ترتعد أطرافك، وتصطك أسنانك، ويمتلئ عقلك بالرعب، ومع ذلك تضع يديك المرتعشتين على المقود، وتكمل الطريق.
علمني رفيقي الصغير أن الخوف ليس نقيضًا للقوة، بل قد يكون وقودها الأصدق؛ فالنجاة لا تتطلب أن تكون بطلًا خارقًا لا يهتز، بل تكمن في قدرتك على مواصلة السير بخطواتٍ مرتجفة، دون الالتفات لأي صوتٍ بداخلك يصرخ فيك أن تتوقف.
الآن، نمضي أنا وكوريدج العزيز معًا نحو الوجهة ذاتها؛ هو لا يزال يرقب الطريق بعينين جاحظتين تريان أشباح الظلام وخيالاته، وأنا أقود بابتسامة هادئة، وقلبٍ يفيض بالامتنان لوجوده وحمايته لي طوال تلك السنوات.
أتقبل أن صوته العالي أمام الخطر قد لا يختفي تمامًا، وأننا سنختلف أحيانًا عند بعض المنعطفات، لكنني أدرك بوضوحٍ صادق، أنه لولا وجوده لما طورت قدرتي على القيادة، ولما اكتشفت أن في قلبي متسعًا لكل هذا الخوف ولكل تلك الشجاعة.