⁠الخامسة عصرًا
٤٦٣ كلمة

في المرة الأخيرة التي جلست فيها مع صديق ليعتذر لي عن إخلاله بوعد قطعه على نفسه تجاهي، رأيت في عينيه كمداً حقيقياً. تكلّف عناء التبرير، واشترى لي قهوة، وظل طوال السهرة يحاول ترميم ذلك الشرخ الصغير الذي أصاب ثقتي به.

قبلت اعتذاره وانتهى الأمر.

لكن في تلك الليلة، وأنا مستلقٍ على سريري أنظر إلى السقف، داستني فكرة مرعبة: إذا كان الاعتذار للآخرين ممكناً، وشراء خاطرهم قابلاً للتحقق بفنجان قهوة أو بكلمة أسف صدوقة…

فكيف يمكنني الاعتذار لنفسي التي خذلتها للمرة الألف؟ كيف أرمم ثقة تحطمت بيني وبيني؟

لقد استيقظت متأخراً لأكتشف أنني أعيش في فخ ”خيانة الذات“؛ تلك السلسلة اللانهائية من الوعود السرية التي نبرمها في لحظات الصدق أو الانكسار، ثم ننكث بها مع أول ضوء شمس.

القصة تبدأ دائماً في منتصف الليل.

نبرم ”العقود السرية“ بحبر الغضب أو الأمل المتجدد: ”من الغد سأقطع علاقتي بهذا الشخص“، ”من السبت القادم سألتزم بجدول الرياضة الصارم“، ”لن أسمح لأحد بأن يستبيح مساحتي مجدداً“، و”سأتوقف تماماً عن هذا السلوك المدمّر“.

في تلك اللحظة، يفرز المخ كمية مريحة من الدوبامين لمجرد ”قطع الوعد“، تشعر بنشوة النية الصالحة وتنام كملك ظن أنه أنقذ مملكته.

لكن مع أول عبء حقيقي في اليوم التالي، يتفتت كل شيء، ونعود لما قبل الصفر بكثير. اللعنة الحقيقية هنا ليست في عدم التنفيذ، بل فيما يحدث وراء كواليس عقلك الباطن.

في علم النفس، يُسمى هذا التراكم بـ ”تدمير الثقة بالذات“ (Self-Trust) عندما تُخلف وعدك مع صديق، تهتز صورته عندك…

حسناً، عقلك يفعل نفس الشيء معك تماماً.

بمرور الوقت، وبسبب تكرار الوعود المكسورة، يتوقف عقلك عن تصديقك.

عندما تقف أمام المرآة بكل حماس وتقول: ”من الغد سأفعل كذا“، لا يثور عقلك ولا يجادلك، بل يبتسم بسخرية باردة من خلف نظاراته السميكة ويقول لك: ”أنت تكذب.. كالعادة“، هذا الشرخ الداخلي يخلق نوعاً من ”الاكتئاب الخفي“، أنت لا تعود تحترم كلمتك أمام نفسك.

تصبح أمام ذاتك شخصاً ”غير موثوق به“، وهذا أصعب بكثير من فقدان ثقة العالم كله فيك. يمكنك الهرب من صديق خذلته، لكن كيف تهرب من قاضٍ يسكن رأسك، يعرف دوافعك، ويملك تسجيلاً حياً لكل المرات التي تراجعت فيها؟

كنت أظن قديماً أن المشكلة في ”الأعباء الخارجية“ أو ”الظروف“، والآن أكتشف أن جذر المعاناة هو هذه المحكمة السرية التي أقف فيها يومياً دور المجرم والضحية والقاضي في آن واحد.

أحاول الآن، بالطريقة الصعبة، أن أتوقف عن إطلاق الوعود الكبيرة الرنانة.

أتعلم ألا أعد نفسي بنمط حياة خارق في لحظة تجلٍّ عابرة، الوعود الكبيرة تشبه المسكنات؛ تعطينا أملاً زائفاً بالشفاء، وتتركنا أمام واقع يتجدد فيه الداء كل يوم.

لن أوقع على معاهدات سلام صاخبة مع نفسي في منتصف الليل لأخرقها في الصباح.

لن أضع خططاً خيالية ولم أستطع تغيير واقعي المحبط…

بدأت أفهم أن غفران نفسي لي يبدأ من ”الصدق في الخطوة الصغيرة“.

سأكتفي بوعد واحد بسيط وممل، وأحاول تنفيذه، لعل عقلي الباطن يتوقف عن السخرية مني حين أتحدث معه في المرة القادمة.

شارك