⁠العاشرة مساءً
٧٩٠ كلمة

ملحمة الإنسان الغزي.

خلال عامين من الإبادة، لم يمرّ عليَّ شعور إلا ومررتُ به. كأنني كنتُ مختبرًا مفتوحًا يجرّب فيه العالم أقصى طاقته على توليد الألم: الخوف الذي يتكاثر، الهلع، الفقد الذي لا ينتهي، التشرد، ضغط النجاة، تهديد البقاء، العبث الذي يجعل الحياة بلا إطار… حتى انتهى بي الأمر بتشخيص الاكتئاب.

لكن في غزة، ما قيمة التشخيص في مكان تنهار فيه البيوت فوق رأسك؟ مكان لا توجد فيه حياة طبيعية أصلًا؟ كأن تقول لرجل غريق إنه ”مبتل“ فقط.

ومع ذلك، لم أخشَ الاعتراف — ليس بالمرض فحسب — بل بالحد الذي وصل إليه. كنت أعلم أن شيئًا داخليًا يتصدع حين صرت أتهرّب من ابتسامات أطفالي، وأخشى اللعب معهم، وأحتمي بعزلتي كمن يحتمي بجرحه.

الإنسان حين يصل إلى الاكتئاب الحقيقي؛ يفقد حتى القدرة على حمل نفسه.

بدأ الأمر بالصمت، ثم بانسحاب طويل من محيطي، حتى من أقرب الناس إليّ. أقوم بما تتطلبه الحياة في الخيمة: الحطب، المياه، إشعال النار، إعداد الطعام، ثم أجلس لأكتب، وبعدها أحدّق في السماء لساعات.

أحيانًا أشعر أن السماء — رغم كل الخراب تحتها — المكان الوحيد الذي يمكن أن يواجهك دون أن يسألك: ”لماذا تبدو هكذا؟“

الفلسفة هنا ليست ترفًا.

في الأوضاع الطبيعية، الفلسفة سؤال عن المعنى. أما تحت هدير الطائرات وصوت المدفعية، تصبح سؤالًا عن:

كيف أبقى إنسانًا بينما يسحق الإنسان كل ما يجعل الإنسان إنسانًا؟

كيف أحافظ عليّ بينما ينخر الخراب كل شيء من حولي؟

في غزة، نحن لا نطرح الأسئلة الكبرى كنوع من الرفاهية الذهنية؛ بل لأن عقولنا تبحث عن أي شيء يعطي الفوضى شكلًا يمكن احتماله.

الألم حين لا يُفهم يتحول إلى وحش، وحين يُسمّى يصبح رفيقًا ثقيلًا لكنه مفهوم.

بعد إلحاح زوجتي، قبلتُ الذهاب لمعالج نفسي، صديقي القديم. إصغاؤه كان هادئًا لكنه محايد، ثم قال لي:

”مالك… الأفضل أن تتحدث إلى معالج لا يعرفك.“

وكأن المعرفة الشخصية تصبح عائقًا في أماكن تفيض بالوجع أكثر مما تفيض بالماء. لم أفهم في البداية، لكنني شعرت أنه يعرف تمامًا ما يفعل، يعرف هشاشتي وهشاشته.

ذهبتُ لمعالج آخر. شاب ثلاثيني، شيبه يشي بأن السنوات في غزة أطول من التقويم. نظاراته غريبة، وحقيبته الصغيرة تكاد تنفجر من ثقل ما تحمله. بدأ الجلسة بالتعريف عن نفسه، ثم فتح نافذة روحه وسقط منها كل شيء، وبدأ يروي:

نزوحهم، استشهاد والده، قصف بيته، موت أخته وبناتها، إصاباتهم، سفر أمه للعلاج، بتر قدم أخيه، موت ابن أخته جوعًا، ثم سرقة قبر والده.

كان يتكلم كأن الكلام خلاصٌ مؤقت، كل كلمة تخفف وزن عامين من حقيبته، كأن النجاة اليوم تحتاج إلى 45 دقيقة من البوح. وحين أنهى قصته، أطلق تنهيدة طويلة، شهيق حمل عامين كاملين في صدره، وقال لي:

”هذه أول مرة أتكلم فيها دون أن يقاطعني أحد… شكرًا لك يا مالك. الآن دورك.“

في لحظة شعرت أن العلاج أصبح معكوسًا. المعالج هو المريض، والمريض هو المستمع، والغرفة تتحول إلى شيء يشبه كسرًا جماعيًا.

قلت له بهدوء:

”يبدو أن أمرًا حدث في الخيمة… يجب أن أذهب.“

وغادرت — ولم أعد ولن أعود.

كيف يعالج مريضٌ مريضًا؟

أدركت بعدها أن السؤال ليس طبيًا، بل وجودي. في أماكن مثل غزة، لا يوجد ”سليم“ و”مريض“. هناك درجات مختلفة من الكسور النفسية، لكنها كسور في النهاية. الكل تائه، الكل يسأل:

هل ما أشعر به طبيعي؟ أم أننا لم نعد نعرف ما الطبيعي أساسًا؟

في علم النفس الكلاسيكي، يُقال إن المعالج يحتاج مسافة ليمنحك رؤية. لكن أي مسافة تبقى للإنسان هنا؟

نحن نعيش في مكان ضاقت فيه المسافة بين الحياة والموت نفسها، فكيف تتسع مسافة بين شخص وآخر؟ كنت أظن نفسي غريبًا… لكنني لست كذلك.

كنت أعتقد أن اكتئابي حالة استثنائية، لكنني اكتشفت أنني بطريقةٍ ما ”المرفَّه“ في هذا الخراب.

لم أفقد إنسانيتي بعد.

ما زلت أشعر، وأقاوم، وأتمسك بمبادئ لا يمكن أن تتشظى مهما تكسّر العالم. ورغم انهيار كل شيء من حولي، على الأقل ما زلتُ أحتفظ بالقدرة على الإحساس، على الاحتجاج الداخلي، على رفض أن أعلّق أخلاقياتي على مشجب الإبادة. لم أستغلّ، لم أسرق، لم أقدّم أفعالًا تناقض مبادئي ثم ألبسها ثوب الضرورة.

هذه الأشياء الصغيرة — أو الكبيرة — هي ما تبقّى لي: المبادئ لا تتجزأ. لأن المبادئ — إن كانت حقيقية — تُختبر في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء.

نحن لا نحتاج علاجًا… نحتاج شاهدًا فقط.

بعد كل ما حدث، أدركت شيئًا واحدًا:

نحن لا نحتاج من ”يعالج“ أحدًا ولا نحتاج علاجًا من الأساس، بل نحتاج من يسمعنا دون خوف، يشهد على ما نشعر به، يشاركنا الإنسانية حين نخشى فقدانها. فالأمة التي لا أحد يسمعها، تلتهمها جراحها.

والذين يبقون بشرًا رغم ألم قلوبهم — هؤلاء هم الناجون الحقيقيون.

في هذا الخراب، يظل السؤال: كيف يعالج مريضٌ مريضًا؟

الجواب ليس وصفة واحدة. لكنه يبدأ بإنصاف لسردٍ كلِّي: أن يُسمع الإنسان بدون مقاطعة، أن يُعطى حقّ أن يبكي دون أن يُحاسب، أن تُفتح له جلسة لا يملؤها تعليق أو حكم.

ربما هنا، في الاستماع فقط، يبدأ شيءٌ من الشفاء — ليس شفاءً كاملًا، لكن فسحةً للإنسان كي يعود إليه صوته. لسنا نبحث عن علاج، بل عن معنى. ولا نطلب تفسيرًا، بل اعترافًا بوجودنا.

لا نريد من يعيد ترميمنا، بل من يقول لنا:

”أنت لست وحدك. نحن جميعًا نحارب من أجل أن نبقى بشرًا.“

شارك هذا الـمقال