عندي صورة ذهنية ثابتة ومحددة عني وأنا طفلة صغيرة:
فتاة طويلة ونحيلة حد إنك قد تظن أن بعض الهواء قد يمحي وجودي.. أحمل شنطة مدرسية كبيرة أثقل مني الضعف، ونظارات ملونة لا تليق بي على الإطلاق وللأسف..
ذكية جدًا!
تلك الصفة الأخيرة كانت أثقل من حقيبتي المدرسية، لأنها كانت لا تنتهي بمجرد انتهاء اليوم المدرسي في الثانية مساءً.. كانت تلازمني كأنفي مثلًا طول الوقت، لأنها غير محددة بمكان أو زمان أو سياق محدد.. تضخمت الصفة وأصبحت أنا.. مرّ ما يزيد على الـ 20 سنة حتى أدركت المشكلة!
تعال معي خطوة للوراء:
كانوا يقولون لك منذ الطفولة إنك مختلف.. إنك أذكى من الباقي.. وإن مستقبلك مضمون لأنك بتلقط الفكرة من أول مرة وبتجيب الدرجة النهائية دون مجهود يُذكر.
كبرت وأنت تحمل هذا اللقب كوسام شرف، وتشعر بالفخر حين تُنادى بـ”الطفل العبقري“ أو ”المتفوق دائمًا“. لم يخبرك أحد أن هذا الوسام قد يتحول مع الوقت إلى قيد، وأن الصورة التي أحببتها عن نفسك قد أصبحت بالفعل عبئًا ثقيلًا..
المشكلة لم تكن يومًا في الذكاء ذاته، وإنما في الطريقة التي ارتبطت بها قيمتك الإنسانية بسهولة نجاحك، وفي الرسالة الضمنية التي تكررت حولك:
أنت تحصل على التقدير بسبب النتيجة النهائية، ولكن مش على رحلتك للوصول للنتيجة.
حين يُمدح الطفل لأنه ينجح بسرعة، ولأنه يفهم قبل الآخرين، ولأنه لا يحتاج إلى المحاولة كثيرًا.. يتشكل داخله اعتقاد خطير جدًا: إذا كنت ذكيًا، يُفترض أن يكون كل شيء سهلًا.
ومع مرور السنوات، يتحول هذا الاعتقاد إلى معيار داخلي قاسٍ ومتضخم. أول مرة تصادف مادة لا تُفهم بسهولة، أو مهارة تحتاج تدريبًا طويلًا، أو تجربة لا تتقنها من المحاولة الأولى.. لا تراها كجزء طبيعي من مرحلة التعلم، ولكن كإشارة مرعبة: ماذا لو لم أكن ذكيًا كما ظننت؟
هنا يبدأ التهديد الحقيقي، لأن المسألة لم تعد مرتبطة بأداء عابر وانتهينا، وإنما بهويتك نفسها كلها.
تميل نحو الأمان بدلًا من أن تميل نحو التحدي، فتختار المسارات التي تضمن فيها التفوق، وتتجنب المجالات التي قد تجعلك تبدو مبتدئًا، وتتردد في طرح الأسئلة إذا لم تكن متأكدًا من الإجابة.
تقول لنفسك: مش ناقصة إحراج. تضحك حين يخطئ الآخرون وتحكم عليهم، وتحرص ألا تُرى وأنت تخطئ.
وهكذا، دون أن تشعر، تضيق دائرة تجاربك. بينما يجرّب غيرك ويفشل ويتعلم ويتطور اجتماعيًا وعاطفيًا، كنت تحرس صورتك بعناية.. ومع كل تجربة مؤجلة تتآكل مساحتك للنمو.
في مرحلة ما، تلاحظ أنك متفوق أكاديميًا وقادر فكريًا، ومع ذلك تشعر بأنك متأخر في جوانب أخرى. تشعر بأن الآخرين يندمجون بسهولة ويكوّنون صداقات ويخوضون مغامرات ويقعون في الحب، بينما أنت تراقبهم من بعيد دون أن تلوث يداك بغبار التجارب.
حين تبدأ هذه العزلة، تستخدم الأداة التي اعتدت الاعتماد عليها: عقلك. وتحلل نفسك كما تحلل مسألة رياضية، فتكتب أسبابًا وتضع احتمالات وتقرأ عن السمات الشخصية وتحاول إقناع نفسك بأنك بخير لأن لديك مبررات منطقية.
غير أن الألم العاطفي لا يستجيب للمنطق وحده. سؤال مثل ”هل أنا كافٍ؟“ لا يُجاب عليه بسلسلة من الحجج، لأنه لا يبحث عن برهان منطقي عقلي، وإنما عن شعور بالأمان والانتماء.
هنا تكتشف أن ذكاءك، الذي كان يحل المشكلات الخارجية بكفاءة، يقف حائرًا أمام فراغ داخلي لا يُقاس بالمعايير نفسها.
فكيف نصلح ذلك؟
الخطوة الأولى، وهي خطوة غير قابلة للتفاوض لأنها الوحيدة في هذه التدوينة:
هي أن تتوقف عن تعريف نفسك كـ”الطفل الذكي“. ليس لأن الذكاء سيء، بل لأن ربط قيمتك به وحده سام.
عندما تُربط قيمتك بسهولة نجاحك، ستفعل أي شيء لتجنب الجهد أو الفشل أو المواقف التي قد تثبت أنك لست استثنائيًا.. ستعرقل تقدمك فقط لتحمي هذه الهوية القديمة.
الحل هو بناء هوية جديدة.. وتبدأ بالسؤال:
ما الذي سيساعدني على التقدم؟
فتتوقف عن حماية كبريائك وتبدأ باحتضان شعور عدم الراحة (سيقل حتى يختفي مع الوقت). وتسمح لنفسك أن تجرب وأن تكون سيئًا في البداية، وبالتالي ستكون حاضرًا كإنسان يسعى ويشارك..
نعم، الأمر محرج في البداية وغير مريح. يبدو وكأنه تراجع عن صورتك القديمة التي كانت سببًا في شللك الحالي، لكنه ليس كذلك. إنها أول خطوة حقيقية نحو أن تعيش تجربة إنسانية قد تجعلك سعيدًا وراضيًا.
الهوية القديمة أخبرتك أن قيمتك في كونك مميزًا، والهوية الجديدة تذكرك أن قيمتك في كونك إنسانًا.
وأن تكون إنسانًا يعني أنك مسموح لك أن تكون غير متأكد، وأن تنمو ببطء، وأن تشعر بالضياع، وأن لا تعرف ما الذي تفعله نصف الوقت.. لكن الطريق الوحيد للأمام هو أن تتحرك رغم ذلك.
ليس فعلًا مثاليًا. ليس فعلًا ذكيًا. جرب أن تخطو خطوة بشرية صادقة وغير كاملة.
إذا كنت تشعر بأنك عالق أو مخدر أو منفصل مزمنًا.. إذا قضيت حياتك تحاول أن تكون أذكى شخص في الغرفة والآن أصبحت لا تعرف كيف تكون شيئًا آخر.. فهنا تبدأ.
تترك هويتك القديمة التي لم تسبب لك غير أنصاف التجارب وإمكانيات على الورق غير مستعملة، وتتوقف عن محاولة الإبهار.. وتبدأ بمحاولة أن تكون حقيقيًا وحاضرًا..
لأنك لا تحتاج أن تكون الأذكى في الغرفة لكي تنتمي إليها.. يكفي أن تكون شخصًا عنده ما يكفي من الشجاعة ومستعدًا للحضور حتى عندما يكون الأمر صعبًا وفوضويًا أو غير مألوف.
وعندما تفعل ذلك.. ستشعر بشيء لم تشعر به منذ زمن طويل:
التواصل هو تجربة إنسانية حقيقية مش متلمعة ومحطوطة على الرف!
لأنك أخيرًا نزلت من على المنصة ودخلت العالم حيث يعيش بقية الناس. واتضح أن ذلك العالم ليس سيئًا على الإطلاق.
في الحقيقة، هو المكان الوحيد الذي يمكنك أن تُرى فيه حقًا، والأهم هو المكان الوحيد الذي يمكنك أن تشعر فيه أخيرًا بأنك حي، وإنك إنت إنت مش صورة كله راسمهالك بدون اختيار.