⁠الخامسة عصرًا
١٥٣٥ كلمة

بعد إتمام دراستي الجامعية وعام التجنيد الإجباري، لم أكن تواقًا لاقتحام العالم.

في الجامعة أنت تدرس العالم دون أن تواجهه بعد، وفي الجيش أنت تتلقى الأوامر من غيرك كي تحمي عالمًا لا تزال لا تعرف عنه شيئًا، في الحالَين أنت لست مستعدًا بعد كي تواجه العالم بإرادة فاعلة، أنهت دراستها له، ولم تعد تأتمر في أفعالها بأحد.

في كل مرة سُئلتُ عن الخطوة التالية، لم أمتلك الشجاعة كي أخبر الجميع أن العالم بالخارج يُخيفني حقًا، ويملؤني هلعًا لا براء منه.عندها بدأتُ تاريخًا خفيًا مع نوبات هلع تزورني دون موعد، وترحل بإرادتها الخاصة.

لا يُخفي المرء خوفه إلا بالاختباء وسط خائفين، ولا يدّعي المرء فطنةً إلا وسط مبتدئين.

بهذا المنطق بذلتُ من عمري ست سنوات عاملًا في مدينة أطفال، مختبئًا بخفة من جنون العالم بالخارج.

سنوات عملي مع الأطفال ونوبات هلعي السابقة أكسبتاني حاسةً سادسة في التنبؤ بكل نوبة هلع توشك على الظهور.

ترى طفلًا يتعرق في نهار يناير البارد، تسري الرعشة في أصابعه، صدره ضيّق حرج كأنه صعد جبلًا للتو. هذا طفل تاه عن أمه في زحام المدينة، وعقله يُخبره أنه لن يراها مجددًا، وأن التيه بات مصيره الأبدي.

الخطوة الأولى للتعامل مع نوبة الهلع: لا تستعمل المنطق أبدًا، لا يُجدي المنطق مع هلوع.

بالنسبة لطفل تائه، كل الكبار عمالقة، والعالم واسع مثل هوّة.

أذهب بلطف متلصّص، أهبط على ركبتَيَّ حتى يصير رأسي في مستوى قامته، أُخرج بلطف ميدالية تنتهي بدُمية مصغَّرة ل«آيرون مان» بيدي اليمنى أجعل «آيرون مان» يسير بخفة على ساعدي الأيسر ثم يطير، تُفلته أصابعي بغتة.

يُذهَل الطفل عن هلعه حين يرى بطلًا سحريًا يسبح في الهواء، تزول الرعشة من يدَيه الصغيرتَين، لأنهما تلقّتا أمرًا آخر بخلاف الهلع. يشبك الطفل يدَيه مثل شبكة أمان ويلتقط «آيرون مان» قبل أن يتحطم على الأرض، ثم يُعيده إليَّ. أُحرّك «آيرون مان» على ساعدي الأيسر وأُكرّر الحركة ذاتها، ويفعل الطفل الأمرَ ذاته.

في المرة الرابعة، ينتظم تنفس الطفل أخيرًا، الشهيقُ حين أُفلت «آيرون مان» من يدي، والزفيرُ حين يستقر آمنًا في راحة يده.

إذا انتظم التنفس على إيقاع واحد، تهدأ ضربات القلب، وتُخبرنا أشدُّ غرائزنا بدائيةً أننا لم نعد في الغابة وأن الخطر زال.

تلك هي الخطوة الأولى كي تُفلت من براثن نوبة الهلع: أن تُعيد القلب الذي انفرط عِقد دقّاته كي يعمل في صفّك.

الخطوة الثانية: تحويل التيه إلى حكاية.

أُخبر الطفل أنني أعلم أنه خائف. «آيرون مان» يخاف أيضًا. لقد أنقذ العالم عدة مرات، في إحدى أفلامه طار ببطولة كي يُبعد صاروخًا قاتلًا إلى الفضاء وينقذ الأرض.

نجح «آيرون مان» في إنقاذ العالم لكن أصابته منذئذٍ نوبات هلع طويلة، لأنه طار في مهمته تلك وحيدًا، لم يكن معه أصدقاؤه. كان سابحًا في الفضاء مثل ذرة منسية، لن يُنقذها أحد، ولن ينعيها حتى محبٌّ.

استسلم «آيرون مان» لسقوطه المحتوم، لكنه نجا حين التقطه أصدقاؤه واستيقظ على مشهد وجوههم المحبّة.

لم يكن رعبُ «آيرون مان» هو الموت، كان رعبه أن يموت وحيدًا.

في «آيرون مان 3» يُخفي البطلُ الخارق نوباتِ هلعه عن أصدقائه، يشعر بالخزي، يخاف أن يروه ضعيفًا وهو البطل الذي يعتمدون عليه للنجاة. لا ينكشف خوفه إلا أمام طفل. لا يفهم الطفل كثيرًا مما يعنيه أن يرتعد أحد الكبار من فكرة في رأسه.

لا يوجد وحش نخاف منه، ولا خطر يمكن أن نراه، لم يحدث شيء بعد.

يقول الطفل لـ«آيرون مان» بحكمة من لم يختبر الحياة بعد: أنت ميكانيكي، ألست كذلك؟ فقط تنفّس وابنِ شيئًا.

لم يُخبر الطفلُ بطلَه أن كل شيء سيصير على ما يُرام، لم يمنحه وعدًا واحدًا بنهاية نوباته، فقط أخبره ببساطة أن يفعل شيئًا يعرفه، شيئًا خارج نطاق مخاوفه التي لا يفهمها، يصير فاعلًا ويبني شيئًا لإنقاذ الآخرين، حتى لو لم يعرف بعد كيف ينقذ نفسه. كانت تلك النصيحة الطفولية هي ما أنقذ «آيرون مان» من الاستسلام لهلع قلبه.

أُخبر صديقي التائهَ أنه في كل مرة أنقذ «آيرون مان» قبل سقوطه كان يُريه وجهًا محبًّا، كان يُطمئنه أنه ليس وحيدًا.

قبل أن أُنهي الحكاية، تأتي أمٌّ هلوعة وتحتضن طفلها. تسأله: هل شعرتَ بالخوف؟ يكتشف الطفل أخيرًا أنه نسي خوفه وهو يساعد «آيرون مان»، ثم حين غرق في سماع حكايته؛ يُخبر أمَّه بعيون واثقة أنه لم يخَف أبدًا، وأنه أنقذ «آيرون مان» مثل الطفل الذي أنقذه في الفيلم.

لا تفهم الأم الكثير مما يقوله طفلها، لكنها تمنحه قُبلة معتذرة عن تركها إياه ولو للحظات، وتعده بدُمية جديدة على شكل «آيرون مان» ومشاهدة فيلمَي «آيرون مان»: الذي أنقذ فيه العالم، والذي أنقذه فيه طفل من هلعه.

ألم أُخبرك عن الخطوة الثالثة للنجاة من نوبة هلع؟

انشغل في لحظة الهلع نفسها بفعل شيء، وإن كان التقاط دُمية، أو تحسُّس حبات مسبحة، أو حتى العد التنازلي من عشرة لواحد على نغمة أغنية تُشعرك بالطمأنينة.

الهلعُ مثل لعنة ميدوسا الإغريقية، إذا نظرت في عينَيها تتحول إلى حجر.

النجاة من ميدوسا تكمن فقط في أن تنشغل بفعل شيء في حضورها، عندها لن تظفر منك بنظرة تُحقق لعنتها.

في «آيرون مان 3» ينشغل البطلُ الخارق عن مخاوفه ببناء آلة جديدة لمساعدة أصدقائه، وفي مدينة الأطفال ينشغل طفل صغير عن هلعه من التيه الأبدي بإنقاذ دُمية مرارًا وتكرارًا من التحطم.

في العام الأخير من عملي في مدينة الأطفال، كانت ميدالية «آيرون مان» المعلّقة بخصري قد أنقذت أكثر من عشرين طفلًا هلوعًا بالطريقة ذاتها، أحدهم عاد إليَّ فيما بعد ممتنًّا بشدة لأنني لم أعامله كطفل، لم أكذب عليه، لأن الفيلم الذي أخبرتُه عنه كان حقيقيًا؛ «آيرون مان» أنقذ العالم فيه فعلًا، وشعر بالهلع حقًا، وأنقذه طفل صدقًا.

في العام الأخير من عملي مع الأطفال، احترفتُ كتابة النقد السينمائي بدوام جزئي. اشتريتُ لابتوب جديدًا وكتبتُ مقالي الأول، لم يكن عن «آيرون مان»، كان عن لقطة من فيلم الحريف.

يتعرض البطلُ فارس وجاره عبدالله لاستجواب مُذِلّ من ضابط شرطة، ثلاثة أيام يعاني عبدالله الإهانة والاشتباه، فقط لأنه فقير يسكن سطح بناية فخمة، مثل طفيلي يسكن جسد مُعافى. بينما يُقدّم فارس إجاباته للضابط ورأسه تواجه الحائط مثل طالب مُعاقَب أو عبد لا يحق له النظر في عيون سيده.

يخرج عبدالله وفارس في ليل بارد، بأكتاف منسدلة للأسفل وأرواح محطّمة، لو استمر المشهد قليلًا كان يمكن لأجسادهم أن تتهاوى على رصيف مدينة منسية ويصيروا أشباحًا، أشباح لا تثير الخوف بل الشفقة.

لكن ما منعهما من التهاوي كان نداء استغاثة من عابر تعطّلت سيارته، يُذهَل فارس وعبدالله عن لحظة الحطام بداخلهم ويُسارعان لمساعدة الرجل ودفع السيارة.

يغادر العابر بسيارته شاكرًا، ومع حركة السيارة يستسلم عبدالله لدموعه أخيرًا. دموع ممتنة لأن أحدهم ردَّ له إنسانيته المُنسحقة حين رآه بشرًا لا حيوانًا، بشر يمكنه أن يُقدّم المساعدة من قلب حطامه، يمكنه إنقاذ عابر ولو لم يملك شيئًا لإنقاذ نفسه.

هنا أدركتُ الأمر. كانت الوصفة نفسها ناجعة، ليس فقط مع نوبات الهلع، ولكن مع أشدّ مخاوفي روعًا: الخوف الذي جعلني أختبئ في مدينة أطفال لسنوات. خوفٌ أن يراني العالم للحظة مُشتبَهًا، أن أصير مُدانًا لأنني أُمثّل حشدًا لا أعرفه، لا فردانية لي فيه، أن يسحقني العالم ويتركني حطامًا يتداعى وحيدًا في شوارع مدينة قاسية.

تكمن النجاة فقط في قدرتك على تقديم فعل مساعدة من قلب هلعك أو حطامك، فعلٌ تسترد معه طيفًا من إرادتك وفردانيتك وبعضًا من إنسانيتك، تطمئن به أنك لم تعد شبحًا أثيريًا؛ لا يمكن للأشباح أن تُقدّم مساعدة، ولا يمكنها أن تلتقط دُمية قبل أن تتحطم، أو أن تدفع سيارة لإنش خارج عطبها.

خلعتُ ميدالية «آيرون مان» من خصري كما تُقدَّم تحية وداع لجندي يترك سلاحه بعد نوبة حراسة طويلة، وسجّلتُ استقالتي في اليوم التالي من مدينة الأطفال.

لا يمتلك البشر جميعًا دُمية في خصرهم تحمل وصفة سحرية للنجاة من نوبات الهلع ومن مخاوف الانسحاق ولو بفعل مساعدة صغير، لكنهم يمتلكون صورًا جمالية لا تبلى من الفكرة ذاتها.

في محادثة افتراضية عام 2024 كنتُ أطمئن على صديق في غزة، كنتُ أعلم أنه يقطن بقعة تعاني ويلات القصف في التو واللحظة، لأن متحدثًا عبريًا في نشرة الصباح توعّد من قلب شاشة شريرة بمحو الحي الذي يسكنه صديقي من الوجود.

تجاهل صديقي أسئلتي الملتاعة العاجزة عن أحواله، كان حديثي ينفث هلعًا أضعاف ما يبذل طمأنينة. فوجئتُ بصديقي يدعوني لزيارة غزة بنهاية الحرب، ويُذهِل عن شرح أحواله بشرح أطايب الطعام التي سيُعدّها لي، والفسحة التي ستبدأ من داره وتنتهي بشاطئ البحر.

انشغل صديقي عن هلعه وموته المحتوم بإعداد مأدبة وتخطيط نُزهة، ينغمس في تفاصيلها ببطء متلذّذ، يُفرط معها في لحظات الإنترنت الثمينة بلا اكتراث، كان هذا يُهدّئ روعه، وللمفارقة هدأ روعي أيضًا وانتظمت أنفاسي.

التقطتُ طرف لعبته وشرعتُ أطلب منه أصنافًا شتى ليطبخها وأجعله يعدني بأنشطة لا تنتهي على شاطئ غزة، وأشعر في كل لحظة من المحادثة أنه يقذف دُمية أعرفها جيدًا وأنا ألتقطها قبل أن تتحطم.

كانت أمي تحب حديثًا نبويًا يتخيّل عالمًا قامت قيامته، عالمٌ كل امرئ فيه ذاهل بهلعه عمّن حوله، لكن أحدهم زارته القيامة وفي يده فسيلة، فانشغل عن روعه بزراعتها. لحظة أخيرة يصير فيها المرء فاعلًا من قلب هلعه، ولو كان يبذر جمالًا لإنسان لن يعرفه، لعالم لن يرى غده.

لم أكن يومًا بطلًا حقيقيًا مثل «آيرون مان»، لم أكن سوى عامل عادي يُعلّق في خصره دُمية ويعرف كيف يقصّ الحكايات، ولم يعرف كل الأطفال الذين ساعدتُهم أن منقذَهم كان يختبئ في تلك المدينة من هلعه الخاص.

لم تحمل يدُ صديقي الغزّاوي أيَّ أواني أو طعام، ولم يمتلك حتى وقتها قلمًا حقيقيًا يُخطّط به مسار نزهته، خطّطها بعصا على رمال، لم تلبث الريح أن جرفتها سريعًا.

لم نمتلك شيئًا ملموسًا نُقدّمه كي نُروّض هلع أحدهم، ولم يلتقط أحدٌ ممن ساعدناهم دليلًا حقيقيًا ملموسًا بأن كل شيء سيصير على ما يُرام. لكننا جاوزنا معًا نوبة هلع وانسحاق كان العالم معها ليتوقف للأبد، وتشبّثنا بفعل مساعدة قدّمناه لأحدهم ونحن في قلب هلعنا وجحيمنا الخاص.

يقول روبير بريسون: كم هو رائع أن يكون بوسعنا أن نمنح الآخرين سلامًا لا نمتلكه نحن أنفسنا بداخلنا.. إنها معجزة الأيدي الفارغة.

معجزةٌ أن تمتلك القدرة على إنقاذ أحدهم بيدَين فارغتَين، رغم أن موعد إنقاذك أنت لم يأتِ بعد.

شارك هذا الـمقال