⁠الخامسة عصرًا
٤٦١ كلمة

أنت لا ترى العالم كما هو؛ أنت تراه كما قررت مسبقاً أن تفهمه. في أعماق كل منا يقبع ”صوت متربص“ لا يهمه البحث عن الحقيقة، بل تكريس ما نعتقد به مسبقاً لنقل صورته داخل عقولنا…

إذا استيقظت يوماً وأنت تشعر بأنك منحوس وغير مرغوب فيك، فإنه في أعماق داخلك سوف يفعل كل شيء ليؤكد ذلك.. سوف يرى عشرات الوجوه المبتسمة، ليلتقط فقط نظرة شاردة من عابر ويهمس في أذنك: ”أرأيت؟ لا أحد يطيق وجودك هنا“.

هذا الفخ الذهني الذي يُعرف بـالانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) ليس مجرد مصطلح في كتب علم النفس، بل هو السجن الخفي الذي نسجن فيه تجاربنا وعلاقاتنا وقراراتنا كل يوم.

تبدأ الرحلة في العلاقات الإنسانية عندما يتسلل إلينا خوف دفين من الرفض، وبدلاً من مواجهة هذا الخوف يشرع ذلك الصوت الداخلي في تشغيل التفتيش الانتقائي:

فالتأخر في الرد لعشر دقائق؛ يتحول إلى دليل قاطع على بداية التراجع والجفاء، ونبرة صوت مجهدة بعد يوم عمل شاق؛ تصبح برهاناً ساطعاً على نفاد الحب

مئات اللحظات من المساندة والاهتمام؛ تُشطب بدم بارد من الذاكرة لأنها لا تخدم الفرضية القائلة: ”الجميع سيرحلون في النهاية“.

نحن لا نبحث عن الصدق، بل نبحث عن إثبات أن مخاوفنا كانت في محلها.

ومشكلة هذا السلوك أنه يخلق نبوءة ذاتية التحقق؛ نضغط على الطرف الآخر بالشك والتربص حتى يرحل بالفعل، فنبتسم بمرارة ونقول لأنفسنا: كنت أعلم ذلك منذ البداية!
بينما الحقيقة أننا نحن من فعلنا ذلك طوال الوقت ببحثنا المحموم عن أدلتها.

الأصعب من ذلك أنه لا يتوقف هذا الانحياز عند حدود المشاعر، بل يمتد ليعبث بمساراتنا المهنية ومشاريعنا، فنقع في غرام الفكرة الأولى أو الخطة التي وضعناها، ونتعامل معها كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، نبحث عن الإطراء والتعليقات الإيجابية، ونتعامل معها كدليل وحيد على العبقرية، نتجاهل إشارات الخطر، انخفاض الأرقام، وتنبيهات الخبراء، معتبرين إياها مجرد آراء حاقدة أو عوائق مؤقتة.

هذا العمى الإدراكي يلبس رداء الإصرار والشغف، بينما هو في حقيقته مجرد خوف طفولي من الاعتراف بالخطأ. لأن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في الاستماتة للدفاع عن رؤية قاصرة، بل في امتلاك المرونة لتعديل البوصلة عندما تتراكم المؤشرات المعاكسة.

أخطر ما يفعله هذا الصوت الداخلي هو ترسيخ الهويات السلبية التي نلصقها بأنفسنا. فعندما تقتنع بأنك ”غير منضبط، فوضوي، أو ساذج“ سيجمع عقلك كل هفوة صغيرة ليثبت لك صدق هذا القناع، متناسياً كل مرة صمدت فيها وقاتلت بمفردك وحققت انتصاراً حقيقياً.

لذا فإن الحل للخروج من هذه الدوامة يبدأ بأن تتوقف عن إعطاء هذا الصوت المتربص سلطة توجيه دفة قراراتك. أن تسأل نفسك عند كل صدمة ”هل هذا دليل حقيقي، أم أنني أبحث فقط عما يؤكد خوفي القديم؟“، وأن تفسح المجال للاحتمال البديل، وللرحمة التي نضن بها على أنفسنا.

الحياة أعقد بكثير من أن نحبسها في قوالبنا الجاهزة.
النضج لا يعني أن تكون على صواب طوال الوقت، بل أن تمتلك الشجاعة لتهدم افتراضاتك القديمة، وتسمح للحقائق الجديدة أن تعيد تشكيل وعيك بحرية، دون خوف من التغيير ودون رغبة مرضية في إثبات الهزيمة.

شارك