⁠العاشرة مساءً
٤٤٥ كلمة

كل شيء حولي يبدو ثنائيات عندما أشعر بالوحدة. الكوب يجاوره كوب، والشجرة تجاورها شجرة، السماء طبقات، والهواء ذرات، وكلاب السكك في مجموعات، طوب المباني متراص حتى الأدوار، نادرًا ما تتواجد الشقق فرادى.

فيزداد وزن الفراغ من حولي، وتذوب عظامي ببطء فلا أقوى على الوقوف. أعتقد لهذا خلق الله الثنائيات، حتى لا يتكوم الإنسان وحيدًا.

أستند إلى سيارة خلفها سيارة، وأصمت. وتبدأ كلمات تخرج من عينيّ، ومن أنفاسي وملامح وجهي وارتخاء عضلاتي حينها.

الوحدة مهيبة، تسكن لها أحشائي حتى أظن أنها توقفت عن العمل.

أتحرك، وأنظر حولي من جديد حتى تسكن عيني في منطقة بعيدة هناك، ليس لأنها تستدعي نداءً ما، كل ما في الأمر أن عيني تعبت من التجوال، أسحب نفسًا عميقًا وأتحرك بجوار وعد الأمل بصباح مختلف في شارع ممتد تتحرك فيه قدماي ببطء.

يأتي يوم جديد أجد فيه الونس بين أقلامي وأوراقي. أضع الكلمات بجوار بعضها مثل الحجارة، وأصعد فوقها لعلي ألمح في الأفق من هو قادم.

أتحرك في الشقة بلا معنى، لو صورتني كاميرا على غفلة مني، أعتقد سيراني الناس مجنونًا! أتغنى بكلمات أغنية شجية، أبطئ في توزيعها عمدًا، أو ألحنها على طريقتي الخاصة.

ضحكات الأطفال من شباك الحمام تلهيني عن إمساكي المزمن. أطيل النظر في حبات البن على النار، وفي كل مرة تفيض خارج الكنكة وأنا أفكر: لماذا أتشتت قبل فوران القهوة بثوانٍ معدودات؟

في إحدى المرات سمعت بودكاست لعالمة نفس مشهورة تقول: أستطيع أن أقيس صحتي النفسية بمقدار ما أستطيع الرقص في المطبخ أثناء إعداد الطعام.

أجدني مقصرًا كثيرًا في هذا الجانب من حياتي.

برغم أن جلستي مرحة وأحب الضحك، إلا أنني لا أذهب إلى المرح كثيرًا، أشبه والدي إلى حد بعيد، أحب العمل مثله. أحب العمل وأتداوى به.

ما الذي يجلب لي الضحك؟ ”الرييلز“ المضحكة، اللعب مع الأطفال، اللعب مع الكلاب ورؤيتهم يلعبون، تفاعلات البشر واستغرابهم تجاه تصرفات بعضهم بعضًا.

كثيرًا ما أجلس وأمامي منضدة عليها اثنان يتعرفان إلى بعضهما لأول مرة، ويضيفان المقادير سويًا لإعداد طبخة الارتباط.. أسمع شروط أحدهما للآخر، وقد أصاب بالضحك الداخلي من قواعد الرقعة التي يبنياها الآن. تسمع أحدهم يقول للمفتونة أمامه: ”أنتِ فاهمة الصداقة غلط، الصديق مش اللي ييجي يدوشني بمشاكله، إحنا جايين نفك عن بعض.“

وهي مدهوشة من تلك الحكمة النازلة من السماء، وتشي ملامحها بعبارة: ”ما هذا القدر الذي أتى بذلك النبي ليجلس أمامي ويأخذ بيدي من طوفان الشك والتخبط؟“ أسمع ذلك بينما أنتظر صديقي المكتئب، لعله يجد تعزية تعوضه عن شهور لم يرَ فيها الضوء، ويجد في صمتي العطوف دافعًا كي يستمع إلى صوته مرة أخرى.

ضحكت الآن كثيرًا. أضحك كثيرًا عندما أتخيل موقفًا كوميديًا وأكتبه، أو حين أفتح مجموعة صور في دفتر قديم. من هذا الذي يشبهني، ومن هؤلاء؟

أفتقد ضحكة أمي. أفتقد ضحكة صديقٍ كنت أعرفه يومًا. لكنني حتى الآن ما زلت أضحك، ولم أفتقد ضحكتي.

تلتف حولي الوحدة الآن، أوشك المقال على الانتهاء..

ماذا سأفعل بعد ذلك؟

شارك