أصبح التدريس غريزة مُلحة لدرجة أنني فكرت في محو أمّية ذلك الرجل -الوحيد دائمًا- الذي يطلب مني أن أبحث له عن اسم شخص على هاتفه أو أكتب له الرقم السري للإنترنت في المقهى، قضيت بعض الوقت في تأمل الحروف وفكرت كيف أصف له الحروف فوجدتها شديدة التباين..
فالألف مئذنة يعلوها عصفور وحيد صوته كالأنين والباء بصقة جافة والتاء عينان ترقب من ينظر لها وصوتها كالمقص والثاء تلمع كالذهب بنقاطها الثلاثة، وفُتحت في ذهني صور كثيرة لكل الحروف كأنها تبدلت لكائنات وأشياء وعوالم تجريدية في رسمها ونطقها منفردةً بلا معنى…
أدركت أنه عندما لا يملك الإنسان لغة، أن تتسرب كلماته من فمه وتضيع للأبد هو نوع قاسٍ من الوحدة.
بعد تفكير قررت أن أتوجه إليه لنتعارف وأعرض عليه خدمتي، ”تسمح لي؟“ وجلست معه، عرفت اسمه لأول مرة وسمعته يتكلم وبدا من كلامه أنه لا يعرف سوى اسمه وأسماء المقربين، لا يعرف حتى أسماء التطبيقات على هاتفه، ولا يتكلم بسهولة، عندما سألته عن سنه أخرج لي بطاقته الشخصية كأنه وقف في كمين أو يظهرها لمسؤول في مصلحة حكومية، مسكت بطاقته، آه…
إنه لا يعرف شيئًا في تلك البطاقة، فقط صورته هي دليله الوحيد أنها تخصه، وجاء وقت السؤال الصعب: ”ما رأيك أن أعلمك القراءة والكتابة، ألا تحب ذلك؟“ قلتها وأنا شديد الخجل، وظللت أزينها ببعض الكلمات ”لأنني أحببتك لله في لله، أنا مثل أخيك الصغير، أنت شكلك محترم وأحب أن أتعرف عليك“..
وهو لا يملك سوى جملة واحدة ”لا، أنا لن أجيد ذلك“ يقولها بشكل قاطع لا يقبل النقاش يخفي معها وجهه في سترته كأنه يكاد يبكي أو يشعر بالخجل أو يسبُّني في سره، ومع كل ”لماذا؟“ كان يجيبني ”لأنني لا يمكن أن أجيد القراءة والكتابة“…
كل محاولاتي للنقاش لم تجد سوى هذا الرد، عرفت أنه لم يدخل مدرسةً قط وبتوالي الأسئلة بدأ في سرد تفاصيل حياته بفم متلعثم وأسماء شخصيات تظهر فجأة دون تعريف ومواقف تبدو متناثرة لكنها في الحقيقة شكوى غير مباشرة من حياته وكم هو يشعر بالضيق من أخيه وزوجته اللذين يعاملانه بجفاء، لوهلة ظننت أنه يشكوهم إليّ كأني قادر على إنقاذه من جفائهما، كأنه وجد أخيرًا من يسأله ”كيف الحال؟“.
استمر في الحكي والشكوى وأنا آخذ بيده في الحكي، أعثر له على الكلمات الضائعة وأدوات وصل الجمل وأعقّب على شكواه بتضامني معه ضدهم ومواساته فيحكي أكثر، عرفت أنه لا يعمل منذ سنتين أو أكثر، منذ أن فقد إحدى كليتيه وهو لا يقدر على العودة إلى ”المَجيَرة“ التي كان يعمل بها..
لكنه يجد من يعطف عليه بالطعام وبعض المال، حكى كل هذا بفخر، وأنه لا يحتاج لأخيه الجاحد وأن ربه لم ينسَه وأخذ يعد الأسماء ”أتعرف فلان؟ أتعرف فلان؟ إنهم يدعونني دائمًا للغداء، ويعطونني بعض المال وأخي لا يراني ولا يرد السلام حتى“…
لم يطلب مني أي شيء، كان كل ما يحتاجه هو أن أسمعه وأن أمحو همومه لا أن أمحو أمّيته، تركته لأكمل عملي وتمنيت لو أمحو حياته وأبنيها من جديد.