في أحد مطاعم السوشي الفاخرة، حيث الإضاءة الخافتة وموسيقى الجاز التي تمنح المكان شعورًا متكلفًا بالأناقة، جلس رجل يرتدي جلبابًا بسيطًا. لم يبدُ مرتبكًا أو متوترًا، بل بدا مرتاحًا تمامًا، كما لو أنه يجلس في مقهى يعرفه منذ سنوات.
أمسك قطعة سوشي بيده، فتح رغيف خبز بلدي، وضع السوشي بداخله، ثم بدأ بالأكل.
في تلك اللحظة، حدث شيء غير مرئي.
لم يعترض أحد. لم يتدخل النادل. لم توجد لافتة تمنع ”تناول السوشي بالخبز البلدي“. ومع ذلك، شعر معظم الموجودين أن هناك شيئًا ليس على ما يرام. شيء خرج عن النظام غير المكتوب للمكان.
لكن ما الذي حدث فعلًا؟
لماذا بدا المشهد غريبًا إلى هذا الحد؟ ولماذا شعر الجالسون، ولو للحظة، أن الرجل ”لا ينتمي“؟
هذا السؤال تحديدًا كان في قلب المشروع الفكري لعالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu ؛ الرجل الذي حاول أن يشرح كيف تعمل السلطة داخل تفاصيل الحياة اليومية، لا عبر القوانين وحدها، بل عبر الذوق، والإحساس، والعادات الصغيرة التي تبدو لنا طبيعية تمامًا.
الهابيتوس: حين يتحول المجتمع إلى غريزة
كان بورديو يرى أن الإنسان لا يتحرك في العالم بوصفه فردًا حرًا بالكامل، كما نحب أن نتخيل، بل بوصفه كائنًا تشكّل تدريجيًا داخل شروط اجتماعية محددة.
طريقة كلامك، جلستك، ذوقك الموسيقي، إحساسك بما يبدو ”راقيًا“ أو ”محرجًا“، كلها ليست اختيارات فردية خالصة، بل آثار لتاريخ اجتماعي طويل استقر داخلك حتى صار يبدو جزءًا من طبيعتك.
هذا ما أطلق عليه بورديو اسم ”الهابيتوس“ (Habitus).
الهابيتوس ليس مجموعة أفكار نحفظها بوعي، بل منظومة كاملة تسكن الجسد نفسه.
هو ذلك الإحساس الغامض الذي يجعلك تعرف تلقائيًا كيف تتصرف في مكان ما، أو يجعلك تشعر فورًا أنك غريب داخل مكان آخر.
حين تخفض صوتك تلقائيًا أثناء الحديث مع أستاذ الجامعة، أو تشعر بالتوتر داخل مطعم فاخر، أو تتردد قبل دخول متجر يبدو ”أغلى من اللازم“، فأنت لا تتخذ قرارًا واعيًا. جسدك نفسه يستجيب لقواعد تعلّمها منذ زمن بعيد.
لهذا لم يكن الرجل الذي أكل السوشي بالخبز البلدي ”جاهلًا“ كما قد يظن البعض، بل كان يتحرك داخل المكان بهابيتوس مختلف. لقد دخل عالمًا لا يعرف قواعده الضمنية، أو ربما لا يرى ضرورة أصلًا للاعتراف بها.
المجتمع ليس طبقة واحدة.. بل ”ملاعب“
لكن الهابيتوس وحده لا يفسر كل شيء.
يرى بورديو أن المجتمع يتكوّن من ”حقول“ أو ”ملاعب“ اجتماعية متعددة؛ لكل حقل قواعده الخاصة، وطريقته في توزيع القبول والهيبة والسلطة.
هناك حقل الفن، وحقل الجامعة، وحقل السياسة، وحتى المطاعم الراقية يمكن أن تتحول إلى حقل اجتماعي كامل، له لغته الخاصة وطقوسه الصغيرة.
في هذه الحقول، لا يتنافس الناس بالأموال فقط. هناك أشكال أخرى من ”رأس المال“ أكثر خفاءً.
هناك رأس المال الثقافي:
المعرفة، والذوق، وطريقة الحديث، والقدرة على فهم القواعد غير المكتوبة. أن تعرف أي شوكة تُستخدم أولًا، أو كيف تتحدث عن فيلم أوروبي دون ارتباك، أو كيف تأكل السوشي ”بالطريقة الصحيحة“.
وهناك رأس المال الاجتماعي:
شبكة العلاقات والمعارف التي تمنح صاحبها حضورًا ونفوذًا.
ثم يأتي رأس المال الرمزي:
الاحترام والهيبة والشرعية الاجتماعية التي يحصل عليها الشخص داخل حقل معين.
المشكلة أن هذه الأشكال من رأس المال لا تتوزع بالتساوي بين الناس. ولهذا قد يبدو شخص ما ”في غير مكانه“، حتى لو كان يمتلك مالًا أكثر من جميع الموجودين حوله.
الرجل الذي وضع السوشي داخل الخبز البلدي ربما كان الأغنى في المطعم كله، لكن ذلك لم يمنحه تلقائيًا القدرة على الانسجام مع قواعد هذا الحقل. لأنه افتقد شيئًا آخر: رأس المال الثقافي المرتبط بالمكان.
العنف الذي لا يُرى
هنا تظهر واحدة من أهم أفكار بورديو: ”العنف الرمزي“.
العنف الرمزي ليس عنفًا جسديًا مباشرًا، بل نوع أكثر نعومة وتعقيدًا. إنه ذلك العنف الذي يُمارَس بالنظرات، وبالاستغراب، وبالإشارات الصغيرة التي تجعل شخصًا ما يشعر بأنه لا يعرف ”اللعبة“ جيدًا.
قد لا يقول أحد للرجل إنه يتصرف بطريقة خاطئة، لكن يكفي أن يشعر بثقل النظرات حوله، أو بتغير نبرة النادل، أو بذلك الصمت المشحون الذي يحيط به فجأة.
شيئًا فشيئًا، يبدأ الشخص نفسه في مراقبة ذاته. يشعر بالإحراج. يعيد التفكير في تصرفاته. وربما يقرر ألا يعود إلى المكان مرة أخرى.
وهنا تكمن خطورة العنف الرمزي: أن الضحية نفسها تشارك فيه أحيانًا دون أن تدري. فهي لا تشعر بأنها أُقصيت بالقوة، بل تقتنع تدريجيًا بأنها ”لا تنتمي“.
لهذا لا يحتاج المجتمع دائمًا إلى قوانين صارمة كي يحافظ على الفوارق الطبقية. يكفي أن يجعل بعض الناس يشعرون، باستمرار، أنهم غرباء داخل أماكن معينة.
كيف يعيد المجتمع إنتاج نفسه؟
لم يكن بورديو يرى المجتمع كمؤامرة يديرها أشخاص واعون، بل كنظام يعيد إنتاج نفسه تلقائيًا، من خلال تفاصيل صغيرة تبدو بريئة للغاية.
فالطفل الذي نشأ في بيت يعتاد ارتياد المطاعم الفاخرة، وسماع الموسيقى الكلاسيكية، والتحدث بثقة أمام الأساتذة، لا يكتسب ”معلومات“ فقط، بل يكتسب إحساسًا عميقًا بالاستحقاق والانتماء.
بينما يتعلم طفل آخر، بصمت، أن بعض الأماكن ليست له، وأن بعض طرق الكلام ”أرقى“ من طريقته، وأن عليه دائمًا أن يراقب نفسه كي لا يبدو غريبًا.
ومع مرور الوقت، يتحول هذا كله إلى شيء يبدو طبيعيًا بالكامل.
لهذا، في المرة القادمة التي ترى فيها شخصًا يبدو ”خارج مكانه“، ربما يجدر بك أن تسأل نفسك سؤالًا مختلفًا:
من الذي يقرر ما هو ”المكان الصحيح“ لكل شخص؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن المجتمع… وربما تكشف الكثير عنا نحن أيضًا.
قال بورديو إن
”الهابيتوس هو التاريخ المتجسد، الذي تحول إلى طبيعة ثانية ثم نُسي بوصفه تاريخًا“.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو كثير من أحكامنا اليومية طبيعية للغاية، رغم أنها ليست كذلك على الإطلاق. ورغم وفاة بورديو في عام ٢٠٠٢، يظل العنف الرمزي قائمًا من خلال هذه الأدوار التي نلعبها بدون وعيٍ في ميدان الحياة.