أستيقظ في صباح عادي في يوم عادي خلال إجازتي من الجيش، مرهق من النوم، والحقيقة قد يبدو ذلك شيئًا مضحكًا جدًا، ولكن النوم أحيانًا يكون مصدرًا شديدًا للإرهاق. وعقولنا التي يفترض بها أن توقف مصانعها عن العمل خلاله، لا تفعل أحيانًا سوى أنها تشغِّل مصانعها. تستيقظ مرهقًا كأن أسدًا قبيحًا كان يطاردك في الحلم، أو شيء مثل هذا.
أستيقظ في هذا اليوم العادي وأفكر بندم شديد في قرارات صغيرة أُخذت خلال الطريق. أضحك وأنا أكتب ذلك فعلًا، أصل هل عندما أبني الفعل للمجهول يعني وأقول ”أُخِذت“، هل أصبحت الآن بلا فاعل؟ ما أفظع الإنسان -اللي هو أنا-، يخاف حتى من تحمل مسؤولياته وعواقب أفعاله الكارثية، حتى ولو كانت كارثية على مستوى ميكروسكوبي، تظل كارثية.
أفكر في هذه القرارات الصغيرة، ويملأني ندم وشوق شديدين. ندم لأني ألوم تلك القرارات الصغيرة على ما آلت إليه الطريق، وشوق لكل طريق آخر كانت ستأخذني إليه قرارات مختلفة في تلك اللحظات.
ورغم أنني أعرف تمامًا، أنه من الحماقة لوم قرارات الماضي ببصيرة الحاضر، والرجل الرشيد يحاول خلق مستقبل أفضل بالتركيز في حاضره لا في ماضيه، إلا أنه يا رفيقي الإنسان الذي أثقله التفكير في الذي لم يحدث: من أخبرك أنني رجل رشيد؟
أصنع كوب قهوة مرة للغاية، وأجلس على مكتبي الذي أفتقده جدًا هذه الفترة، وأفكر: لماذا نريد دائمًا السيناريو الذي لم يحدث؟ لماذا نتوق توقًا مؤسفًا للتجارب التي مرت بنا في الطريق ولم نخضها؟ يا أسلافي الذين رحلوا منذ آلاف السنين، إن حبكم للمغامرة ورغبتكم في الاستطلاع قد انحفرت في جيناتي..
وأنا لست سوى رحالة بسيط جدًا، لا يرتحل في المكان، بل يحاول طيلة الوقت أن يجوب الزمن بشكل رأسي ليعرف:
ما الذي فاتنا؟
هل انعطفنا الانعطاف الصحيح؟
ماذا حدث في السيناريو الآخر؟
ذلك الغريب الذي بادلني النظر، هل كان يجب أن أسأله لِمَ وجهه مهموم بهذا الشكل؟
الفتاة التي جلست بجواري في الامتحان في أحد سنين الكلية، هل كان يجب أن آخذ رقمها؟
القطة التي تمسحت بقدمي المرهقتين في أثناء انتظار الطعام من محل الشاورما الرديئة، هل كان يجب أن تعود معي للمنزل؟
يا أسلافي الذين رحلوا منذ الأزل، إن حبكم للمغامرة ورغبتكم في الاستطلاع قد انحفرت في جيناتي، وإنها قد أتعبتني.
أنهي كوب القهوة، ولا أصل لشيء. ولكن ما أعرفه أن واقعي ليس واقعًا قبيحًا، بالعكس، ولكن ربما ما فاتني قد كان يمكن أن يكون أجمل؟ لست أدري.
أفتح النافذة وأنظر للسماء التي تبدو ألوانها بهية أكثر من اللازم في عيني الرماديتين، وتتحرك الشجرة المقابلة لي برقة شديدة كأنها تخشى أن يراها أحد، ويتحرك سرب طيور في أبعد ما تراه عيني في السماء، وأقول لنفسي: مش عارف.
على أنه ورغم كل شيء، لا تستطيع مد يديك القويتين وخرق الزمن، لا يمكن أن تعود لمفترقات الطرق، بل وعلى الأغلب، ما تشعر به ليس حقيقيًا. أجل. إنه سراب جميل في مرآة سيارة مسرعة في طريق صحراوي في يوم شديد الحرارة. سراب جميل وبراق، ولكنك لو عدت إليه، لن تجد شيئًا.
تلك هي الذاكرة وذلك هو تصورنا عن الذي فاتنا.
غريب، فعلًا. كأنك ترى ساحرًا يقوم بخدعة مقنعة، أنت تعلم أنها خدعة، ولكنها تظل مقنعة.
أنت الساحر وأنت الجمهور.
يا أصدقائي الرحالة، ويا رفاقي في التجربة البشرية الكارثية تارة والجميلة تارةً أخرى: لا تقضوا الوقت في تفقد الاحتمالات الفائتة أكثر من اللازم.
وربما، ربما سأفعل أنا أيضًا. يومًا ما.