– هو انت لسه مبتنامش بردو؟
= هو أنا مكنتش بنام وأنا صغير؟
– آه، طول عمرك كده.
فاجأتني أختي الكبرى في لقائنا الأول بعد سنوات بهذه المعلومة. كنت أظن أن عدم انتظام نومي بدأ بعد ذلك بكثير، وقت مرض أمي الأخير تحديدًا.
لم أرَ أمي نائمة طوال حياتها إلا حين مرضت. كانت توقظني وإخوتي كل صباح، نعاند طبعًا. أسمعها تقول لأخي: ”صحي أخوك خُم النوم اللي جوا ده، هيتأخر عالمدرسة“.
لغير المصريين: ”خم نوم“ هي مزيج مصري قديم تطور في اللهجة العامية للتعبير عن الشخص شديد الكسل الذي يلازم النوم، ويغلب عليه عدم النشاط.
كنت أنا -وفقًا لذاكرتي- خم النوم، أما أمي فدائمًا مستيقظة، إما أنها تكمل ما تبقى من العمل الذي لم تستطع إنجازه صباحًا: ترتب البيت، تذاكر لنا، تطبخ، أو تشاهد أيًا من برامجها المفضلة، ”حديث الروح“ أو ”العلم والإيمان“.
لا أتذكر أنني أيقظتها أبدًا، حتى حين كانت تدخل غرفتها لتأخذ ”قيلولة“ كان يكفي أن أنادي عليها من خارج الغرفة: ”ماما، أنا نازل“، لتبدأ الحوار بذهن صافٍ وصوت يقظ: ”هتنزل تروح فين؟ هترجع امتى؟ هتقابل مين؟ الساعة كام دلوقتي؟“
ساعد ذلك في اكتشافي كونها في غيبوبة كبدية بعد ذلك بسنوات، حين حاولت إيقاظها ولم ترد بشكل مباشر. لم تكن عادتها. ونومها -إن حضر- لم يكن ثقيلًا أبدًا.
كنا لا نسهر إلا في أوقات الإجازة، والسهر وقتها ينتهي عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، حين ينقطع إرسال التلفزيون أصلا، ولا يبقى لنا إلا النوم أو الشارع، والشارع محجوز لـ ”العيال الشمحطجية“ كما كانت تسميهم أمي، لا خيارات أخرى إذن.
كانت أمي تحاول دفعنا لنكون نسخة أفضل، لا سبيل للترقي المجتمعي إلا بأن نتعب للوصول إليه.
”الحياة قاسية“.
أنا عارف والله.
كانت تشير لي ونحن نشاهد لقاء الدكتور زويل بعد فوزه بجائزة نوبل وهو يخبر محاوره أنه لا ينام أكثر من ساعات أربعة، وأنه يقضي ليله ونهاره بين المعمل والدراسة. تغمز لي وتقول: ”شايف؟ مكانش خم نوم“.
إذاً، النوم رفاهية.
تغير الوضع حين بدأت العمل في إحدى مطابع الدعاية، تبادلت السهر في المكان مع زميلي هناك كي نستطيع تلبية احتياجات الموسم. كان يومي مليئًا بنشاطات الجامعة، وليلي مليء بما يفرضه علي عملي. الغريب أنني لم أتذمر أبدًا، أحببت ذلك بشدة، كنت أشعر بتطوري العملي في كل خطوة، ولم أعر نومي أي انتباه.
يتحول الأمر إلى واقع أكرهه في التجنيد، حين يضطرني الضابط المناوب لانتظاره ليلاً بالساعات كي أوقع منه بعض الأوراق، ولا يمنحني الضابط الآخر في الصباح إذنًا لأخذ حصتي من النوم: ”هنقول للعدو لما يهجم انك كنت سهران يعني؟“.
ينصحني الطبيب بعد سنوات بنوع معين من الأدوية، يساعدني الدواء بالفعل على الدخول سريعًا في النوم، لكن.. تنشط الكوابيس! أصحو متعكر المزاج وعصبي. أراجع الطبيب فيخبرني أن الكوابيس هي واحدة من ”الأعراض الجانبية“ المعروفة لهذا الدواء.
كيف يكون هذا ”عرضًا جانبيًا“؟!
متى كانت العبرة بـ ”المهم انك نمت“ وليست بدرجة جودة النوم نفسه؟ طول عمرها بالكيف مش بالكم!
أنا مكتفي بالساعات القليلة للنوم إذا كان المقابل المطلوب للنوم الطويل هو تلك الكوابيس المزعجة!
دفعني هذا للتساؤل حول سبب حدوث ذلك، وجدت أن النوم ينقسم إلى نوعين رئيسيين: (Non-REM)، (REM – Rapid Eye Movement)، ويتكرران في دورات متتابعة.
يبدأ بمرحلة خفيفة من النعاس وهو الانتقال من اليقظة إلى النوم، ثم يهدأ التنفس ونبض القلب ويقلّ التفاعل مع العالم الخارجي. وبعدها يصل الجسم إلى النوم العميق، كل ما سبق هو ال Non-REM، بعدها ينتقل الإنسان إلى مرحلة REM، حيث تنشط الأحلام ويزداد نشاط الدماغ بينما يبقى الجسد في حالة شلل مؤقت. تتكرر هذه المراحل طوال الليل بشكل متتابع.
كلام جميل، لماذا قد تسبب أدوية النوم الكوابيس إذًا؟
وفقًا لدراسات عدة، فإن أدوية النوم تساعد على تهدئة الوعي، لكنها بالطبع لا تعالج التوتر ولا القلق، لذا تخرج كل محاولات كبت مشاعرك خلال اليوم أثناء نومك.
يعني: ”جسمك نايم، ودماغك شغالة“.
الكابوس يحدث حين يستسلم الجهاز العصبي الباراسمبثاوي للراحة، فتسكن العضلات ويهدأ القلب، بينما يظل العقل يقظًا في عتمته الخاصة، يعيد ”بروزة“ المخاوف التي لم يجد لها لغة خلال يومي.
الدواء لم يسبب الكابوس أبدًا، بل كان الكابوس موجودًا بالفعل، يختبئ تحت طبقات من مشاعر أخرى، أو توتر مستمر، ويظهر في لحظة خاطفة يكون فيها الجسد مطمئنًا إلى درجة تسمح للحقيقة أن تطفو بلا رقابة.
نجح الدواء إذن في إرخاء جسدي كما كان مقدرًا له، لكن أخبرني هذا ”العرض الجانبي“ أن الطمأنينة الحقيقية لا تكتمل إلا حين يهدأ العقل كما هدأ الجسد.
يخبرني الطبيب أن رأسي لا يهدأ، وأنني لا أسمح لجهازي العصبي الالسمبثاوي بالراحة. قرأت بعدها تدوينة هنا عن كيف تعيش برأس لا يهدأ، تأخذنا لطريقة التعامل مع تشتت الأفكار وتدفقها وغيرها.
في الحقيقة، يمتلىء الإنترنت بكورسات ودروس حول ”ألف طريقة لزيادة الإنتاج في يومك“، ”نصائح للتخلي عن الأجهزة من أجل إنتاجية أكبر“، ”كيف تخلق من ابنك أحمد زويل جديد“، ”مائة طريقة لصناعة محمد صلاح في المنزل دون أن تمارس الكرة“، لكنني وجدت صعوبة في إيجاد كورس واحد للنوم.
حتى تلك الفيديوهات الحمقاء للASMR لم تساعد، بل على العكس تمامًا، كلما شاهدتها، كلما ”اتسحلت“ في تفاصيلها أكثر.
الآن وقد كبرت بما يكفي، وذهب مع الريح طموح أمي أن أصبح أحمد زويل آخر..
هلا يخبرني أحدكم كيف أعود مرة أخرى ”خم نوم“؟
شكراً.