يواجه ابني سؤالًا ما يحيره، يسألني، أحتار أنا أيضًا في الإجابة. أخبره أنني سأعود إليه. سريعًا أفتح جوجل وتشات جي بي تي، وأسأل رفاقي من الأمهات والآباء، ثم أجيبه بما وصلت إليه من بحثي السريع.
يسألني: ”وأنت لما كنت صغير، كنت بتسأل مين؟“
أجيبه: ”أمي“.
لا أذكر أن أمي، رحمها الله، احتارت يومًا في إجابة أي من أسئلتي. كانت حكيمة في كل شيء. تعرف الجغرافيا والتاريخ والفيزياء والكيمياء والطب، والأهم أنها كانت تعرف كل شيء عن الحياة.
أذهب إليها باكيًا لأن أطفال الحارة وزملاء المدرسة يشبهونني بـ”بوجي“، ولأنني أكره شكلي. تخبرني بكل هدوء أنني ”زي القمر“، وأنني جميل، وأن ما يفعلونه نابع من طباعهم السيئة، وأنهم ”عيال ما اتربتش“.
ثم تسألني: ”هو إنت مش بتحب بوجي وطمطم؟“ أجيبها بالموافقة، فتقول وهي تضحك: ”طب وهمّا يطولوا يبقوا شبه بوجي؟ ده بيقعدوا كل رمضان يعيطوا مستنيينه“.
بالطبع لم أقتنع وقتها. الطفولة سن أحمق. لكنني سأفهم لاحقًا، حين أكبر وأصبح أبًا، أن ما فعلته أمي كان الطريقة المثلى لمواجهة ما نعرفه الآن بـالتنمر. لم تُشعرني أن الأمر كارثة أو نهاية العالم.
أكدت مشاعري الحزينة أولًا، ثم «شحنت» ثقتي بنفسي، وسألت عن سبب حزني، وحولت ما ضايقني إلى سلاح: ”وهمّا يطولوا أصلًا؟“.
الفارق أن أمي لم تستشر أحدًا. كانت إجابتها سريعة، مرتبة، وحاسمة. أما أنا، حين واجهت موقفًا مشابهًا كأب، قرأت عشرين مقالًا بلغات عدة، واستشرت صديقتي الطبيبة النفسية، وثلاثة آباء وأمهات، وتخلل ذلك لحظات جنونية لي شخصيًا، واجهت فيها مخاوفي وقلقي.
كيف فعلت هي كل هذا في عصر ما قبل الإنترنت والكمبيوتر والمصادر المفتوحة؟! لا أعرف.
تنصحني أمي باختيار «علمي رياضة» في الثانوية العامة، لأنها تعرف أنني متميز في الرياضيات. أخبرها أنني لا أحب الحسابات والإحصاء، وأختار «علمي علوم». تنصحني مجددًا، وتذكرني بأنني منذ طفولتي لم أخسر أي درجات في المواد المرتبطة بالرياضيات.
أعاندها وأرفض. تتركني لاختياري: ”اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه“.
أفشل في تحقيق أي شيء يُذكر في ”علمي علوم“. كان معها كل الحق، وكانت تعرفني أكثر مما عرفت نفسي، لكنها لم تقل لي أبدًا: ”مش قلتلك؟“.
سأفهم لاحقًا أنها تصرفت بشكل مثالي. لم تفرض اختيارها عليّ، رغم أنه كان الاختيار المنطقي، بل دعمتني في طريق لم تكن مقتنعة به، ولم تبخل عليّ بشيء. علمتني تحمّل مسؤولية قراراتي دون أن تقول ذلك صراحة، والأهم، دون أن تدرس هي ذلك.
في دراسةٍ نُشرت عام 2022 بعنوان «الحكمة: معناها وبنيتها»، ذُكر أن الحكمة قد تكون، في أحد تعريفاتها، صفة نفسية شاملة، تتضمن القدرة العقلية، والمعرفة، والخبرة السابقة، وتُكتسب عبر الخبرة الحياتية والممارسة المستمرة.
عاشت أمي حياة غنية بالتحديات. فتاة ريفية صغيرة، لأبوين من «الفلاحين»، تسير أكثر من خمسة كيلومترات يوميًا ذهابًا وإيابًا لتصل إلى المدرسة الوحيدة التي تخدم قريتها وعدة قرى مجاورة. يتوفى والدها قبل أن تكمل تعليمها، فتزوجها أمها مبكرًا من رجل يكبرها بأعوام عدة.
تفقد أملها في استكمال تعليمها، ثم يموت زوجها بعد عامين، لتصبح أرملة قبل أن تُكمل العشرين. تخيّل وقع ذلك في قرية مصرية في السبعينيات.
تعود لتكمل تعليمها، وتبدأ العمل بشهادتها المتوسطة، لتشارك أمها مصاريف البيت بصفتها الابنة الكبرى. تلتقي بأبي ويتزوجان، ثم تترمل للمرة الثانية في منتصف الثلاثينيات، هذه المرة ومعها ثلاثة أبناء. تصبح أمًا وأبًا وكل شيء.
واجهت مجتمعًا ذكوريًا كاملًا كأرملة عاملة، تسكن بمفردها مع أطفالها، بعيدًا عن أهلها وعن العرف المجتمعي لـ«بيت العيلة». وأخلصت حياتها لنا نحن الثلاثة.
كيف لا تكون حكيمة بعد كل هذا؟!
يذكرني أخي أن الصورة لم تكن بهذا الوضوح دائمًا، وأن أمي لم ترَ نفسها حكيمة قط، بل كانت تشكك في قراراتها كثيرًا.
يخبرني عن بكائها ليلة ظهور نتيجة الثانوية العامة. تلك الليلة التي كنت أظن أنني وحدي «تحملت فيها مسؤولية قراري». كانت أمي تبكي في غرفتها، خائفة من أثر اختياري عليّ، لا تعرف ماذا تفعل. لكنها نجحت في ألا أرى شيئًا من ذلك. لم أعرفه إلا في حديثٍ عابر مع أخي بعد وفاتها بسنواتٍ عدة.
امتلكت أمي نفس أسئلتي وحيرتي إذن!
كانت حكمتها أنها لم تعرف كم كانت حكيمة. فعلت ما آمنت بصحته، واجتهدت بقدر ما وصل إليها من علم.
وليس عليّ إلا أن أفعل ذلك.
إلى
صفاء طالب عبد الغفار عيسى
مارس 1951 – نوفمبر 2008
الذكرى السابعة عشرة
وحشتيني